غذاء النفوس – عبر ودروس

Nourishment of Souls – Lessons & Stories

Augustine Al-BenokaPublished: 20061,000 copies16,411 words

Publisher: Ade Shir Publishing House

Compiled and presented by Randy Riadth Augustin Al-Benoka

غذاء النفوس – عبر ودروس

غذاء النفوس

– عبر ودروس --

دار أدي شير للنشر والاعلام

صاحب الامتياز: فهمي متي سولاقا

العنوان: اربيل- عنكاوا

ت: 2251133

أوغسطين ال بينوكا

غذاء النفوس

-عبر ودروس-

2006

اسم المؤلف: أوغسطين ال بينوكا

اسم الكتاب: غذاء النفوس –عبر ودروس-

التنضيد: (ج . م)

التصميم والاخراج الفني: كوثر نجيب

تصميم الغلاف: كَوران عبدالجبار

الناشر: دار ادي شير للنشر والاعلام

الطبعة الاولى: 2006

عدد النسخ: 1000

طباعة: مطبعة الحاج هاشم/ اربيل

رقم الايداع في مكتبة المديرية العامة للثقافة والفنون/ اربيل (226)، لسنة 2006.

حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

الاهداء

اعلّل النفس بالأمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

أهدي كتابي المتواضع (غذاء النفوس- عبر ودروس) الى كلّ اب مربّي الاجيال وصانع الرجال والى كلّ ام حنون ارضعت طفلها حليبا طاهرا وسهرت الليالي من اجل تربيته ونشأته نشأة صالحة، والى كل شاب وشابة يملكان بقلبهما المحبة الانسانية البريئة، والى كلّ من يتذوق عبق اللغة العربية ومن يتخذ من الحوادث دروساً ومن القصص الادبية عبراً للمستقبل، وعلى الله توكلت في جميع الاحوال واخلصت له في كلّ الاقوال والاعمال، والى اخواني الادباء والكتاب الاعزاء ومحبي لغة الضاد، وتحياتي الحارة لاعزائي القراء وما توفيقي الا بالله.

المؤلف

اوغسطين ال بينوكا

مواضيع مقتبسة- بتصرف

عزيزي القاريء الكريم

مهما بلغ الاديب من البلاغة اللغويّة وقوّة التعبير، ومهما انساب اليراع بيده ليكتب ما يجول بخاطره من قصص ومواضيع ادبية ومقالات اجتماعية، ومهما استرسل بسبك العبارات الرنانة والكلمات الشفافة التي تغدق على القاريء بلسم وعطر لغة الضاد، ومهما فاضت من صدره الواسع وعقله النيّر ابتكارات علمية وقوافي شعرية يبقى يشعر بحاجته الى الاصالة والى من سبقه في مضمار الادب، لأنّ الشعراء والادباء السابقون هم القاعدة الصلبة واللبنة الاساسية التي يرتكز عليها الادب العربي المعاصر، ولكي يزداد هذا الكتاب المتواضع رونقا وبهاءً ويتوشح بوشاح الاناقة ولكي يرتشف القاريء الكريم من رحيق كنوز الادب العربي التي لا تنضب كأني بها منهل عذب من عيون نابعة من جبال شامخة، ارتأيت تعطيره بعدة مواضيع اجتماعية وقصص ادبية من مؤلفات الاديبين الكبيرين مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران خليل جبران فالى روحيهما اجلالي وتحياتي.

المؤلف

اوغسطين ال بينوكا

المقتبس بتصرف من مؤلفات الاديب جبران خليل جبران

منيتّان

اذا جمع الحبّ اثنين

ولادة طفلين

ليلة العيد

نعمة المطر واغنيته السمفونية

صلاة يتيم وامه

سهرة في قصور النبلاء

المقتبس بتصرف من مؤلفات الاديب مصطفى لطفي المنفلوطي

الغادرة

القبلة

سارق الشرف وسارقة المال

عفيفة تموت جوعا

المؤلف

عاصمة الرشيد الجميلة

شجرة العائلة

هذه شجرة عائلتي

بغداد دمشق بيروت عمان الرياض صنعاء القاهرة الخرطوم طرابلس تونس الجزائر الدار البيضاء

كلها انزلتني من رحمها

أرضعتني الحليب من ثديها

أطعمتني الخبز من أرضها

شربت الماء من أنهارها

استنشقت الهواء من نسيمها

هزّت لي الرطب من نخلها

فتحت لي اقفال أبوابها

غفوت تحت ظلالها

دخلـت قراها ومدنهـا

وبيدي راية بيضاء وانادي

الاعداء افسدوا الارض

من يحـرّر ارض بـلادي

ويشفي غليـل فـؤادي

من رجس العدو المعـادي

مناجاة –ملكة الحب-

يا بسمـة صيغت مـن الذهـب

ياأهزوجة سُطرت على الخشب

في فمك حلاوة التمـر والعنـب

أشعـلت بقلـبي ألوان اللهـب

وما نيـل المآرب الا بالتـعـب

والمطر لا ينهمر بغيـر سحـب

عبق الـورد يفـوح من خدّيـك

ليمـلأ الـوديـان والشـعـب

سأتوجك ملكة حبـي و غرامـي

وأصـوغ حلّيـك مـن ذهـب

سيهتـز النخيـل فوق رؤوسنـا

ويلقـي ثمـارا تمـرا و رطب

مروجنـا اخضـرت وايـنعـت

وأغـدقـت تـفـاحا وعنـب

الأطـفـال تـزهـو مـرحـة

هنـا وهنـاك بأنـواع اللعـب

طلب النجدة

جيـدكِ قـلادةُ عقيقٍ ومرجـان

تمشين الهوينا بيـدك صولجان

ارحمني أسيرٌ خانَـه الـزمـان

السماء صافية يضيئها الفرقدان

رمتنـي السهـام علـى الارض

فقـدتُ عقلـي مصابا بهذيـان

طلبـت نجـدة أهـل المـروءة

لـوقـف نـزف دم الشريـان

ظلّت دمعتي تجـول الأجـفـان

ولم يرق لحالي قلـب إنسـان

بقيت واجما محاصرا بالأحـزان

هـذا قـدري مـن الـزمـان

تـقـرّبـي مـني حبـيبـتـي

لأسمعـك دقـات قلب هيمـان

قبـلـة مـن ثغـرك تشفينـي

فينتـعش قلبـي فرحا ولهـان

هويتي بغداد

أنا عطشان أنا ولهان بلا هويـة

اطـلب المـاء من شفة المزهريـة

انا احبّك وعلاقتنا ليست غرامية

أتجنب مجالسة النساء أخاف الهمجية

كلما اراك اخالك سجادة مغربيـة

جمالـك من حلب والرشاقة دمشقية

سأعطيك هويتي لتعرفي من أنـا

أنـا بابلي عراقي وهويتي بغدادية

قبلة الفراق

روعة الجمال

كم كنت رائعة الجمال ذاك المساء

كيف جلست أمامي بفخر وكبرياء

كيف تغيّر صوتك كهدير المـاء

عبقُ الوردِ من ميسمكِ

ارضيّ ام من الفضاء

طيفـكِ أمامي دومـا

أسعـى اليه برجـاء

همتُ بحّبـكِ حبيبتـي

استنشق منكِ الهـواء

والان ارتـاح قلبـي

ان الله فـي السمـاء

لؤلؤة البحر

ياأحلى لؤلؤة أهداهـا البحـر

يا أحـلـى شمسـا عند الفجـر

يا أحلى نظمـا مـن الشعـر

صوتك بأذنـي كرنيـن الوتـر

ذكراك وردت في كتب السحر

غرسـتِ بقلبـي حبّا كـالجمـر

تركضيـن نحوي بخفة المهـر

فبـدونـك لا يـروق العمــر

أحقيقـة هذه أم خيال العصـر

وللعاشـق هوايـة نظـم الشعر؟

الضحية

وفد الى القمر

و

رهان الحب

شـعـاع وجـهـك نـور الـقـمـر

وبـيـن نـهـديـك أعاجـيـب القـدر

نـظـرت إلـيـك وأنـت نـائـمـة

فاستـجـاب القـيـثار ولعـب الوتـر

قـرأت الشـعـر فــوق سـريـرك

فأصـابـنـي الـحـزن والـضـجـر

استيقظـي سأهـديـك تاجـا مرصعـا

بالـيـاقـوت والـمـرجـان والـدرر

ستـخـرجـي مـن الرهـان رابحـة

وعـينـيـك تـزداد جـمـالا وحـور

بـرّبـك لا تغـدري بـمـن احـبّـك

وسهـر الليـالـي يـراقـب القـمـر

قضـيـت ليـلـتـي ابحـث عـنـك

هنـا وهنـاك فأصــبـتُ بـحـجـر

لـم يعـد بـيـن نـهـديـك نسـمـة

ولـم يعـد بينهمـا عشـب او شجـر

الجالسيـن فوقهما من بـدو وحـضـر

انصرفوا فقد جفّ العشب وانقطع المطر

ينبوع الخير

شوق الفوارس

اشتاق اليك كاشتياق الفوارس للخيول

اشتاق اليك كاشتياق السنابل للحقول

اشتاق اليك كاشتياق الغيث للهطول

قبلة لوجنتيك رسمتها بالاصول

هواجس نفسي غيرها قرع الطبول

أدخلَ حبكِ سهما بقلبي لن يزول

وأجرى نهرا سقى المراعي والحقول

أنعش فوادي واخضر العشب والسهول

خيلكِ في الميدان لا تباريها الخيول

رسائل الحبّ بيننا جرفتها السيول

طيفك اطلّ يتمادىء يبُهر العقول

رفقا بمن اشتهى غيدك كل الفصول

عروستي كوني شفيعتي

يا بسمة سحرني جمالك ايـن تقـيميـن

يا زنبـق عبـق عطرك اين ترقـديـن

دخـلـت قـلبـي وملأْتـِه بالحنـيـن

وأغرقـني بحبـك ردحا مـن السنيـن

عشقت فـيـك ريح عطر الياسـميـن

عشقـت فيـك قـبلـة الخـد اليميـن

سمـات وجهك مطبوعة علـى الجبيـن

ضميني الى روحك عانقيني في الميادين

وهبتـك صلاتـي قبـل كل المؤمنيـن

عـروستي كونـي شفيعتي يوم الديـن

همـت بحـبك وشغفـت بجـمـالـك

استودعـك الله ان الله مـع الصابريـن

شوق

اشتاق اليك كاشتياق الصحاري للمطر

اشتاق اليك كاشتياق الضرير للبصر

اشتاق اليك كاشتياق الليالي للقمر

من اجلكِ طلبت انزال المطر

ليبتسم ضياء وجهك كالمرجان والدرر

الشجر ملي يهتز ليلقي الثمر

الغيومّ تبددت وانقشع الحزن والضجر

قبان اسمك مكتوبا بلوح القدر

فاستبشر القوم بقدومك واخضر الشجر

سهام القلب

لا متسـع لـدي للتفكيـر

اعصابي ليست من قصديـر

ومفاتن جسمـك اغرتنـي

لـكـن الـوقـت قـصيـر

اذوب كالـشمعـة بحبـك

لاتطلـبي منـي تـفسـيـر

سحـرت بحـور عينيـك

واخـذ عقـلـي يـطـيـر

غـفـوت بيـن نهـديـك

مصابـا بحـالـة تـخديـر

سحابـة مـرّت فوقـنـا

امطـرت مسكـا وعبـيـر

اذا بـكـت الـسـمـاء

دموعهـا تمـسـح بحريـر

مهـمـا ازيـد الـقـدر

الطـيـر بالجـو يـطيـر

ينطلـق سهـم من قلبـك

ومنـه يـبـدأ التحـريـر

امتّـع نظـري بـشعـرك

مسـترسـلا على سريـر

سُــرّ قـلبـي بلقـيـاك

وبأحضـانك طفل صغيـر

ادخـل فـرحة بصـدري

كاحتسـاء كـأس عصيـر

سامحونـي عشّاق الهـوى

سأطـلـب رحمة القديـر

من اجل الحبيبة

قـرأت شعـرا باذنـيـك

صـيـغ قـبـيل الفجـر

همـت بسحـر عـينيـك

اذهلنـي الجمال والحـور

فرشـت سجـادة لقدميـك

مطرزة بالحرير والصـور

طـرقـت باب مخـدعـك

أجـابني الريـح والمطـر

رسـت سفيـنتي بمرفئـك

ايـنع واخضـر الشـجـر

ركـعت مصليـا لأجـلك

فاستُجِبـتُ قبـل الظهـر

عطـشت شغفـا بجيـدك

فارتـوى غليلي من النهـر

من ركـب العباب هائمـا

الـدوار هـديـة البـحـر

مهما هاج المحيط بموجـه

سيهـدأ رغـم العـصـر

رفقـا بمن زهد عاشقـا

فبالعـشـق يحلـو العمـر

احبـك وسأسقيك نبيـذا

ولن نتخاصم طـول الدهـر

القدس مدينة الصلاة والسلام

عندما دخل الاعداء مدينة القدس بدأت المدينة تحترق وكان رجال الاطفاء يرشون عليها الماء من خراطيم سيارات الاطفاء للتخفيف من حرارتها ولينقذوا الطيور المحبوسة في اوكارها واسراب الحمام الغافية فوق قبب الكنائس والمساجد وفي البساتين وبين اشجار الزيتون، وكنت اركض في الشوارع واقدامي تدوس على الحجر المشتعل من ركام الابنية المتساقطة ومن نثارات الزجاج المكسور وانا ابحث هنا وهناك عن حبيبتي المحاصرة بين ألسنة اللهب، كنت أريد إنقاذها بأي ثمن، وانقاذ مدينة الصلاة والسلام، المدينة التي رضعنا منها الايمان وارتوينا من ماء عيونها وشعبنا من خبزها الروحي.

يا حبيبتي لاأدري أين أركع وأصلّي وأمام أي مذبح، أين كنيسة القيامة، أين مهد المسيح (عليه السلام) أين الاقصى الشريف، متى اسجد امام المذود الذي ولد فيه المسيح واترنم بالترانيم الكنسية ومتى اصلّي ركعة اليوم في المسجد الاقصى.

ياللأسف ماذا اجد حول المسجد، اجد جنودا مدججين بالسلاح وطأت اقدامهم النتنة الاض المقدسة، ياللغرابة انظر حولي لا ارى شيئا! اين الدكان الذي كنا نشتري منه حاجياتنا؟ اين المخبز الذي كنا نأخذ منه أرغفه الخبز؟ اين حلاوة السمسم أين أكداس البرتقال والليمون؟ أين بساتين الزيتون؟ أين وجهك حبيبتي ذات الخدود الحمراء اين القلادة التي علّقتها في جيدك يوم الخطوبة؟ اين الخاتم المرصّع بالاحجار الكريمة الذي وضعته في اصابعك يوم عقد القران؟ اين عيونك الحالمة؟ اين ابتسامتك؟ الاطفال يقتلون والنساء والشيوخ تشرّدون، والمستشفيات غاصت بالجرحى، وهدمت البيوت على رؤوس أصحابها وجرفت بساتين الزيتون ليلا واقتحمت الدبابات البيوت والمحلات وأُسِر الشباب وألقي بهم في غياهب السجون والعالم يتفرج ولايستفيق.

بيتنا

بيتنا مليء بالورود والشجر، البلابل تغرّد منذ الصباح الباكر فوق اشجار البرتقال، والنحل يمتص الرحيق من ازهار الفلّ والبنفسج وقداح الليمون والرمان، وخبزنا مطّعم بخميرة الصدق والامان ومياهنا عذبة تروي الظمآن، ومروجنا نظرة تنساب فيها المياه كانسياب الافعوان بين بساتين الزيتون والرمان. صباحك يعبق بعطر الياسمين وفطورك لبن وعسل النحل والتين، سأضع على رأسك تاجا مرصعا بالذهب واعلّق في جيدك قلادة من اللؤلؤ والمرجان، سيزهو مبسمك بقبلة من عريسك الولهان، وتتمايل قامتك كعود الخيزران، هذا هو بيتنا، فأهلا بقدومك ان طاب لك المكان.

مناجاة

منحتك عقلي من دون النساء واخبرت تجار الشرق عن كنوز وعن صفاتك فصارت القوافل تشتري العاج من اسواقك، اوصيت الريح ان تمشط خصلات شعرك فاعتذرت؛ لأنَّ وقتها قصير وشعرك طويل، همت بأفيون حبّك وبذلت زهرة شبابي وعملت المستحيل للتقّرب من برجك العاجي لكن بدون جدوى، ارجوك لا تحرميني من النظر الى وجهك بعد ان اغتسل جسمي بندى غاباتك، لقد فاجأني الحبّ بهلاله المضيء وجرت دموعي ولا استطيع الكلام وهل ظلّ في الصدر غير العظام.

قضيت اياما وليالٍ ابحث عنك في السهول والجبال وفي الوديان وبين الغابات والمروج وطرقت ابوابا كثيرة حتى عيل صبري، فجلست امام صورتك مناجيا انظر الى شعرك المسترسل على كتفيك والى العين الكحيل واخيرا استلمت الجواب: الشكر الجزيل.

خطوة في طريق الكمال

الكمال صفة من صفات الخالق عزّ وجلّ فهو العزيز الجبار القوي المهيمن المقتدر ذو العزّة والكمال. اما الانسان الذي يطمح في السير في سلّم الكمال هذا السلّم الذي يبدأ درجه الاول في الارض ونهايته في السماء فعليه ان يتسلّق درجة تلو الاخرى ليشعر بداخله انه بحر بدون شواطيء ونور ساطع دون حواجز وعليه ان لايتأثر بعاتيات الزمان ويتقبلها برحابة الصدر، فاذا هبّت الريح أم سكنت، أمطر السحاب أم أجدب أقبلت الدنيا أم أدبرت حزنت أم فرحت فهو ينظر الى كل ما تقّدم بعين الرضا والتفاؤل بعيدا نزيها بتولا في حركاته وسكناته ذو نظرة بعيدة وقلب واسع فيكون قد صعد خطوة في سلّم الكمال. اما اذا اراد الولوج الى عنفوان الكمال ومكنونه فعليه ان يكون مثاليا في رواحه ومجيئه في مأكله وملبسه وفي جميع تصرفاته، انيقا بكلامه محبوبا من رفاقه ومجتمعه يشعر بكيانه الداخلي وعقله الباطني بأنه متجّرد ونزيه وعفيف من ملاذ الدنيا الزائلة يمتلك بين ضلوعه روح التسامّح والمحبّة ونكران الذات والتضحية من اجل الغير والاخلاص بالعمل والتفاني من اجل البشرية جمعاء ويتصف بصفات الرجولة الحميدة، امينا شجاعا كريما معطاءً صبوراً حازما صادقا ينال رضا الله ورضا الناس في رواحه ومجيئه تصفو له القلوب وترفع له الايدي طلبا للرحمة والرأفة والحنان ويشار اليه بالبنان في جميع تصرفاته منذ بزوغ نور الشمس حتى غروبها. اما في سلوكه في المجتمع فيكون مثابراً منتجا ساعيا للخير باسطا يده للسائل والمسكين والمحروم وابن السبيل، وبذا يكون هو الانسان الذي يجّسد في نفسه كنوز الكمال وعنفوانه برقة كلمته ذات الموقع اللطيف في النفوس التواقة لسماع بشائر الخير والعطاء من نفس مشحونة رقة ولطفا وحناناً، فيكون عند حسن ظن المجتمع الذي يعيش فيه وامينا مخلصا متواصعا متجردا ينظر الى العالم الزاخر والمليء بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية نظرة عفة وزهد وفي داخله امل يتلّهف للحصول عليه والفوز به وهو السعادة الابدية، كما عليه ان يكون غنّي النفس، عالماً يضيء كل من حوله بكتبه واوراقه، وطبيباً يعالج مرضاه بروحه الطاهرة واديباً يتغنى الناس بمقالاته، وشاعراً يطرب سمع قرائه، ورجلاً يتحّمل المصاعب والشدائد اذا المّت به. فاذا استطاع ان يختبر هذه الامور ويجسدها على ارض الواقع وحسب امكاناته الروحية والجسدية بذلك يكون قد خطا خطوة وتسلّق درجة في سلّم الكمال، ويبقى الكمال لله وحده، انه كمال بذاته وخالق كلّ من طلب الكمال.

حنان الام وعدالة القاضي

في احدى الليالي رقدت امرأة في مستشفى الولادة بعد ان جاءها المخاض، وما هي الا ساعات معدودة حتى رزُقت بطفل فأرقدته بجانبها وغفت حتى مطلع الفجر وما كان من المريضة الراقدة بجانبها الا ان أخذت الطفل خفية وذهبت به الى دارها، وفي الصباح استيقظت الام فلم تجد الطفل فأخذت تبكي وتندب حالها ولكنها علمت بعد ذلك بأن المريضة الراقدة بجانبها هي التي اخذت الطفل خارج المستشفى، فما كان من الزوج الا ان رفع الامر الى القاضي وللحال طلب القاضي احضارهما فأوردت العلامات والمواصفات الفارقة لطفلها وتأيد ذلك من القابلة التي استدعيت كشاهد اثبات، وعندما طُلب من السارقة ابداء رأيها واثبات العلامة الفارقة للطفل اخذت تتلعثم امام القاضي، حينئذ عرف القاضي حقيقة الامر ولكنه وبذكاء منقطع النظير وبدراية قانونية امر بقطع الطفل الى نصفين قائلا سوف اعطي كل واحدة منكّن نصفاً، وللحال صرخت الوالدة الحقيقة بعد ان رّف قلبها على طفلها قائلة سيدي القاضي اني متنازلة عن حقي لا تقطع الطفل الى نصفين اعطه لجارتي فهو طفلها، اما السارقة فوافقت على قطعه الى نصفين حينئذ امر القاضي باعطاء الطفل لوالدته الحقيقية وبذلك اثبت حنان الام عدالة القاضي، ثم اصدر امرا بايداع السارقة السجن لتنال جزاء ما اقترفته يديها ولتكن عبرة لغيرها.

احلام الغرام

حبيبتي

تعب اليراع من الكتابة وتعب البصر من النظر وتعب اللسان من الكلام، فقد رأيتك واقفة امامي تغازليني بعطرك الفوّاح وبجسمك الذي ينتصب كعود الخيزران وعيونك التي تنطق فخرا وكبرياء، لكنه لا يثير شهيتي لانك لستِ الان موضع اهتمامي فأفضّل ان تذهبي الىفراشك وتنامي.

حبيبتي

قدح قهوة في منتصف ليل الشتاء البارد ينعش قلبي وعظامي وانا مستلق على سرير من الخشب وغارق بأروع احلامي، ملقيا على نهديك نظرة عابر سبيل واتقلّب واحرّك جسمي هنا وهناك من غير اهتمام. يا للغرابة يا ترى ماذا جرى لأناملي واين اصابعي واين حركاتي، انا الذي كنت سابقا سلطانا جالساً على عرش الغرام؟ ماذا حلّ بداخلي يا سيدتي؟ هل انت تلك الغانية التي أحببتُها قبل سنين؟ هل انت تلك الغانية التي احببتها وأخلصتُ لها منذ ان كنا جيراناً؟ هل انت تلك الحسناء التي ملأت حياتي بالورود واحجار المرجان والياقوت؟ اني اشكّ بنفسي واشكّ فيك واشكّ في اكاذيب الغرام، فيا حبيبتي اذهبي واتركيني لأنام!

مبايعة اميرة الحب

مساء احدى ليالي الشتاء الباردة وبينما انا اطالع في بعض الكتب الادبية الموجودة في مكتبتي المتواضعة غفوت على سريري واخذتني الاحلام الهادئة الى زمن الطفولة، واذا بصوت خافت كضوء القمر يباغتني بسلام فرفعت عيني فرأيت شابة بمقتبل العمر رشيقة القدّ ذات عيون تغازل اشعة الشمس، شعرها الذهبي مسترسل على كتفيها تحمل بيدها وردة حمراء قد دخلت غرفتي بصورة مفاجئة وجلست على سريري فاقشعر جسدي لهذه الزيارة الخاطفة والتي كان وقعها على قلبي كالبلسم على الجرح وطعمها كشهد العسل يفوح منها رائحة العطر والريحان، فقلت لها من تكوني يا انستي وبماذا اشبّهك حبيبتي فأنت انقى من نسيم الجبال وأحلى من درر قاع البحر وأصفى من ماء العيون التي تجري بين المروج وأعطر من عبق الياسمين، فما كان منّي وقبل انتُفضي اليّمن تكون ان رحبّت بقدومها وعلى الفور لم اتمالك أعصابي فأعلنت قيام مملكة الحبّ بيني وبينها فقلت لها هل ترضين ان تكوني ملكة الحبّ؟ فاذا وافقتِ سأخبر الطيور لتعلن موعد العرس وسوف اتوّجك ملكة لحبّي وغرامي، ونظرت الى مبسمها الضاحك وقلت لها لقد شاء القدر ان تكوني من نصيبي وهذا انحياز من الملائكة الى جانبي، فقد أعطيت نبيذا خالصا معتّقا وألبست حريرا مزركشا وأهديت وردة ناصعة البياض، فأشكر الله على هذه النعمة. حينئذ هزّت رأسها معلنة رضاها بعد ان طعنت قلبي بسهام عيونها، وما كان منّي الا ان رفعتُ يداي وقبلّت وجه القمر وقبلّت الجبال والغيوم وقبلّت جميع ادوات التجميل التي استعملتها من مرايا وامشاط وعطور وأوصيت الحمام ان يحمل على اجنحته ملابس العرس، وقلت لها اذا وافقت على عقد القران سأصبح ذاك اليوم اميرا وابسط سيطرتي على الدنيا وعلى الريح وعلى الجبال والبحار وسأعطيك مفاتيح قلبي الذي لم يفتحه احد قبلكِ واطلب من اصدقائي ان يستقبلوك بالاناشيد ويتوّجوك بالأكاليل وأبايعك أمام الجميع اميرة لحبّي مدى الحياة.

موقع المراة في الجتمع وصلتها بالرجل

ادباء كثيرون كتبوا عن المرأة وطُرِقوا الموضوع عشرات بل مئات المرّات ومُنحوه القيمة التي يستحقها ذاهبين في مقالاتهم الى اتجاهات بعيدة في بيان موقع المرأة في المجتمع وفي البيت وواجباتها نحو زوجها واطفالها ونحو المجتمع الذي تعيش فيه، حيث انها تعتبر نصف المجتمع وتقاس درجة رقي المجتمعات بمدى ثقافة المرأة وتعلّمها وادائها الفعلي في المكان الذي تعيش وتعمل به. واني أوكدّ في هذا المقال على نقطة مهمّة وهي ان نعتبر المرأة شريكة للرجل في جميع الامور وليست عبدة له او اداة لهو ومتعة، لها حقوقها وعليها واجبات، فقد خلق الله المرأة بعد ان رأى ادم في الفردوس وحيدا لا انيس له ولا جليس ولا من يتكلم معه فطرح عليه نوما عميقا واخذ ضلعا من اضلاعه ليخلق له من اديم الارض شريكة تساعده في الشدائد ويستأنس معها ويتكلم، ويركن اليها في خلوته وتطعمه من طبخ يديها وتنجب له الاطفال وتحميه من عاتيات الزمان وترعاه في المحن وعند المرض، وللمرأة شعور خاص نحو الزوج يختلف اختلافا جذريا حتى عند شعورها نحو اولادها، فقلبها مخزن لأسراره وهواجس نفسه، وهي عكاز يتكىء عليه في شيخوخته وتسهر الى جانبه في مرضه وتصغي الى انينه وتشاطره مسراته واحزانه، فهي الينبوع الذي يتدفق منه عنفوانه بحنانها وعطفها ورقة قلبها وهي التي تحوّل احزانه الى افراح، والرجل لا يكون ناجحا في حياته الا عندما تسانده امرأة حكيمة عاقلة تبعث في نفسه روح الشجاعة والهّمة وتغرس في قلبه روح العمل والتضحية والمثابرة، واستطيع القول انّ الاطفال الذين تربوا على يد امهاتهم نشأوا نشأة خاصة ناجحة هم اوفر حظا من اقرانهم الناشيئن تحت كنف ابائهم. لأنَّ رحمة الام تعمل عملها في قلوبهم والحليب الطاهر النقي يغذّي اجسامهم ويملؤها عطفا وحنانا، وفي البيت فهي تتحمل المسؤولية في تربية النشىء الجديد بسهرها المتواصل على اطفالها والعناية الفائقة بمأكلهم وملبسهم ومساعدتهم في امور الدراسة وكذلك القيام بمهامها كزوجة مثالية تؤدي ما عليها من واجبات تجاه زوجها والعائلة، اما في المجتمع فتجاري الرجل وتشاطره معترك الحياة وبأسلوب هادىء ورزين، والمرأة بعفتها وطهارتها تعطي معنى خاصاً للحياة البشرية ولها الحق في الوصول الى اعلى المناصب الحكومية والادارية وان تطرق ابواب المعاهد والجامعات فمنهن الطبيبات والمهندسات والمحاميات والمدرسات ومنهن من يعملن في المعامل والمصانع وفي جميع نواحي الحياة كما لها الحق في التمتع بحرّيتها الكاملة المقرونة بالحشمة والادب وان ينظر اليها بعين الاحترام والتقدير، والمرأة لها حقوق خاصة في المجتمع، فمن الجهل ان نعتبرها اداة لهو ومتعة، حيث لم تخلق من اجل ذلك بل خلقت من اجل نفسها وعلى قدم المساواة مع الرجل ولزاما عليه ان ينفّس عنها لتفهم وتشعر بان لها كيانا مستقلا وانها مسؤولة عن تصرفاتها وذنوبها امام ضميرها وعفتّها وليس امام الرجل فقط. والمرأة ليست عبدة في البيت لان العبودية لم تكن يوماً من الايام مصدرا للفضيلة ولا مدرسة لتربية النفوس على الاخلاق الفاضلة والصفات الكريمة وهل يّصح ان يكون الظلام مصدرا للنور، وعلى المرأة ان لا تمزّق حجاب الصيانة والعفّة في مجتمعات الرجال وانديتهم لان المرأة في نظر علماء الاجتماع مساوية للرجل في عقلها وادراكها وهي صديق وفي للرجل الذي عليه ان يأخذ بيدها ويساعدها ويتكاتفا سوية جنبا الى جنب لرفع مستوى الاسرة وصولا الى المجتمع المنشود.

سهرة في قصور النبلاء

في القرون الوسطى ظهرت في اوربا طبقة تسمى النبلاء وكانت تتمتع بصيت وجاه في الدولة وتملك مقاطعات شاسعة تسمى دوقيات، بها من الخيرات ما لا يّعد ولايُحصى ولاتقّدر بثمن وكانت قصورهم مليئة بالخدم والحشم ويعيشون عيشة البذخ والترف، واما حقولهم وبساتينهم ومزارعهم فكانت نخبة من العمال والفلاحين يعملون فيها ليل نهار في سبيل توفير العيش الرغيد لاساتذتهم، واعتاد هؤلاء الاثرياء دعوة بعضهم بعضا لقضاء سهرات ليلية في قصورهم الغّناء ترفيها واستجماما مع واقعهم. وفي احدى المناسبات دعا احدهم اصدقائه النبلاء الى سهرة في داره وعندما جاء المساء اضاءت الشموع صرح الغني ووقف الخدم على الأبواب يستقبلون الزوار بملابسهم المزركشة والمطرزة بطراز خاص، وما ان امتلأت قاعة الاستقبال بالمدعوين واخذ الاشراف الذين تجرّ عرباتهم الخيول المطهّمة يرفلون بالملابس الانيقة ويجرون اذيال العزّة والفخر والنشوة وبدأت الموسيقى تصدح وقام الرجال ودعوا النساء للرقص، فوقفن واختارت كلّ واحدة منهّن حبيبها واصبحت تلك القاعة روضة تستشف الاذان باصوات الغناء والطرب واخذت الرشيقات يتمايلن اعجابا وهنّ يغنيّن ويرقصن طربا، وظلّوا على هذه الحال الى منتصف الليل، حيث امتدت الموائد وعليها من اصناف المأكولات والمشروبات ما لذّ وطاب، ودارت كؤوس الخمر بين الجميع ولعبت بنت الكرمة لعبتها الى ان فقد الجميع صوابهم وبدأت اجسامهم تترنح وطالت الرقاب البيضاء وامتدت الاعناق وبجيدها عطر الغرام. وعندما جاء الصباح تفّرق شملهم وركب كلّ واحد عربته وقفلوا راجعين الى دورهم بعد ان أضناهم السهر وسرقت عقولهم الخمرة واتعبهم الرقص ليهنأوا بالنوم الهادي وبالاحلام الجميّلة، وظلّوا نائمين خاضعين لسنة الكرى في صروحهم الشاهقة حتى منتصف النهار.

وكان لأحدهم موعدا مع فلاح يشتغل في الحقل حيث ظلّ هذا المسكين يطرق الباب فلم يجد من يفتح له فقفل راجعا الى كوخه الصغير ودخل وحيا زوجته واطفاله الجالسين حول مائدة خشبية يلتهمون بعض الطعام وما ان شبعوا حتى قاموا وجلسوا بقرب مسرجة ترسل سهام اشعتها الصفراء الضعيفة الى كبد الظلمة وظلّوا على هذه الحال حتى صعدت الغزالة وبانت اشعتها الذهبية في الافق من الفلاح الا ان اخذ معولا ضخما ووضعه على كتفه وذهب الى الحقل ليسقه من عرق جبينه ويستمثره ليطعم اولئك الاغنياء الاثرياء الذين قضوا ليلتهم بالرقص والغناء والطرب، ومكث الفلاح على هذه الحال وهو يعمل في البستان وينّظف تربته ويقلع ادغاله ويفتح مجرى الماء على اشجاره وعلى لوحاته الخُضَر المنتشرة هنا وهناك واذا بصاحب الحقل ينزل من العربة المطّهمة خيولها ليسعه عبارات قاسية بدل السلام وليريه الابَهة والعظمة وليزيد تعبه اتعابا قائلا هل اكملت عملك وسقيت البستان وقلعت الادغال. فأجاب الفلاح المسكين قمت بواجبي خير قيام واوامرك مسموعة ومطاعة الى اخر الزمان، لن اقصّر بالعمل في حقلك لأنني أريد أن أطعم أولادي من عرق جبيني لقمة نظيفة بريئة لا تشوبها شائبة فكن مطمئن البال سيدي، فما كان الغني بعد ان القى نظرة على الحقل الا ان ودّعه بعبارة كان وقعها على قلب الفلاح امّر من تعبه. اذا لم تقم بواجبك على ما يرام سوف تلقى ما لاتحسد عليه، وادار الحوذي وجه العربة ليرجع الغني الى قصره، اما الفلاح المسكين فأسلم امره لله وفي سريرته يقول، يارب ارحم عبدك المسكين وخفّف من التجربة انها تجربة قاسية ولكن لتكن مشيئتك يارب انت السميع العليم.

نشوة عابرة

اعتادت آنسات وزوجات ذات المناصب العالية والصيت الرفيع والحالة الاجتماعية المتميزّة وممن يتمتعن بالجمال والدلال والخصال الحميدة والرشاقة الجذّابة أن يركبن العربات ذات الخيول المطّهمة عندما يقمن حفلات سنوية خاصة بعيد ميلادهن فقد دعيت زوجة احدهم لقضاء سهرة مع صديقاتها بمناسبة عيد ميلادها، وهنا برزت ظاهرة آنية خفّية بين الزوج والزوجة تباينت فيها الاتجاهات الاجتماعية والثقافية فالزوج انطوائي اناني المعشر يريد لنفسه ما لا يرغبه لغيره، فهو عاشق كتوم لا يشعر امرأته بما يكمن بداخله خوفا من جرح شعورها واستفزازا لرغباتها تقابله زوجة متفتحة منسجمة مع التقدم الحضاري المعاصر، ترغب العيش في حرّية وبحيوية وتجالس صديقاتها في سهراتهن وتجمعاتهن الليلية، ومهما يكن من امر فقد بقي الرجل في الدار لوحده بعد ان استأذنت الزوجة وخرجت مسرعة لتثبت حضورها في الوقت المحدّد، وما لبث الزوج الا دقائق معدودة حتى شعر بالوحدة فقفل الابواب واوصدها جيدا وخرج مسرعا هائما على وجهه في ليلة ماطرة حالكة لا يضيئها سوى بعض المصابيح المنتشرة هنا وهناك وأخذ ينحدر يمينا واخرى شمالا وكان بودّه ان يرى العالم المدينة وابنيتها الشامخة ونواديها الفخمة وحدائقها الغنّاء ومروجها الخضراء فانتابه شعور بالسعادة بعد ان رأى نفسه حرّا طليقا من قيود امرأته، وبقي على هذه الحال وهو سائر في الشوارع المكتّظة بالمارة يُفضي قصته لكل من صادفه ويحمل اليهم سعادته، وما هي الا دقائق معدودة حتى مرّ بمجموعة من الصبية يلعبون فأخذ يصافح هذا ويّقبل ذاك ويُغدق عليهم بعض النقود التي كانت في جيبه وكان بوّده ان يطعمهم ويلبسهم ويمحو بؤسهم وشقاءهم ليشعرهم بالسعادة والطمأنينة واستمّر منسجما معهم حتى ادركه الظلام الدامس فتركهم واخذ يمشي مسرعا صاعدا ومنحدرا واذا به امام باب احدى الدور الفخمة فاقتحمه بدون استئاذان ولم يخطر بباله انه اقترف ذنبا بدخوله المنزل في تلك الساعة المتأخرة من الليل ولم يكترث لأحد بل جلس على كرسي وجده هناك في حديقة المنزل واخذ ينظر الى شعاع النور المنبعث بين ستائر احدى النوافذ ظناً منه انها غرفة عشيقته وخُيّل اليه انه يرى حركاتها بقيامها وقعودها وكيف تستلقي بجسمها على السرير وظّل على هذه الحال يترقبّها منسجما مع نفسه واذا بالضوء ينطفيء فجأة وتظّلم الدنيا لانقطاع التيار الكهربائي فخرج مسرعا من الدار راجعا الى بيته وصعد الى غرفته بعد ان ردّ اليه صوابه وذهبت النشوة من خياله وجلس في مكتبه يكتب عتابا لزوجته التي ذهبت وتركته لوحده، وفيما هو على هذه الحال واذا بالباب يُطرق فهرع لفتحه واذا شفة سوى بعض النظرات الحادة الموجّهة اليه لتتركه تارة يحلم بالنشوة العابرة التي لم تدم الاّ ساعات قليلة واخرى بأحلام الطفولة واخرى بحالته الراهنة وعلاقته مع زوجته والتي الزمته ان يغّير سلوكه معها وبذلك تمكن من العيش بأمان وهدوء بعد ان ترك ما كان يختلج بذهنه من نشوات عابرة ورضخ للأمر الواقع واقتنع بما منحه الله من مال وزوجة ووجمال جذّاب وقد قليل ان الغني من يقنع.

الدخول الى الحضارة

شاب مغرور يتعامل مع الحبّ كأنه في معركة لا يلبث ان يسقط على الارض صريعا مغشيا من صوت الرعد ومن وميض البرق ومن شدّة الحرّ ومن الاصوات الغريبة التي تزبد وترعد بأذنيه، ثم يستفيق فجأة فيرى نفسه اسيراً بيد سجّان يعتبر كل من يحمل وردة او غصن زيتون يستحق العقاب. رحماك يا رب من هذا المجتمع الذي اصبح يعبد الفضة والذهب وقد الغى النثر والشعر من ديوانه ومارس العدوان على الغيوم الماطرة فأصبحت الديار خالية مقفرة وفتح لكل غصن ملّفا ولكل وردة محضر تحقيق ولكل بسم سجن رهيب. يا ترى ماذا نفعل بالذي يخاف ان ينظر الى رشاقة امرأة والى وجهها المليء حيوية ونشاط ويخاف ان يسمع صوتها في الهاتف، هذه المرأة التي خُلقت لترافق ادم في خلوته ويركن اليها في سكونه ويلتجيء اليها في صعابه ونتجب له الاطفال ويرى فيها عظمة الخالق وابداعه ويعيش معها العمر المديد، ماذا نفعل بمن لا يعرف معنى الحياة ويتصرف مع النساء كأنه يتصرف بسلعة تباع وتشتري، ولكن رفقا ايتها المتحّضرة انا اعتبر نفسي من ابناء هذا الجيل واريد ان ازيح عنّي هذا التخلف الموروث وادخل في عصر المدينة التي تساوي بين الرجل والمرأة بالحقوق والواجبات واخرج من بداوتي واجلس تحت ظلّ شجرتك واغتسل بماء ينابيعك المعدنية ليبرأ جسدي من ادرانه واتعلم الكتابة والقراءة مما تحويه مروجك الخضراء من الازهار والورود واريد ان ادخل الى قلبك دخولي الى الحضارة المعاصرة لان جسدك وروحك ليست ضد الثقافة ولكنها رمز العلوم الطبيعية ومن لايقرأ دفاترك ويتصفح كتبك يبقى طيلة حياته اميّا. والمطلوب في هذا العصر ان يرتقي الرجل الى الثقافة التي تعطيه موقعا اجتماعيا رزينا متفتحا في اعماله واخلاقه وتربية ابنائه وبناته تشاطره في ذلك زوجته المثقفة والرافضة لجميع التصرفت اللاخلاقية والتي ترفضها العادات والتقاليد العربية الاصلية وترسّخ في قلوبهن الاخلاق الفاضلة والصفات الحميدة ليكّن مثالا للاداب والاخلاق التي يريدها مجتمعنا النابع من تقاليدنا وعاداتنا الأصيلة.

صلاة من اجل المساكين

في احدى القرى النائية على سفح جبل كان الناس يعيشون عيشة البداوة بين تلك المروج الخضراء والورود الطبيعية المنتشرة هنا وهناك كأني بها سجادة مفروشة في تلك الروابي والاكام، واذا القيت نظرة الى الوادي ومنه الى البساتين التي تغطّي السهول حول القرية والى المياه المنحدرة من اعالي الجبل لشاهدت منظرا خلابّا لا يسعك الا ان تسبّح الخالق عزّ وجّل الذي أنعم بها واغدقها على عباده الصالحين، وفي تلك القرية كان لأحدهم نعجة وحمل صغير وذات يوم اخذهما ليرعيا العشب في احد المروج القريبة من القرية وتركهما هناك عائدا الى داره لبعض الوقت. وبينما هما يرعيان واذا ينسر يحلّق فوقهما وبدأ يرفرف فوق الحمل المسكين وينظر اليه بعين جائعة يبغي افتراسه وبينما هو يّهم بالهبوط لاقتناص فريسته باغته نسر آخر وبدأ يرفرف فوق الحمل وفي اعماقه جشع زميله ويريد الانقضاض على الحمل ليفترس ايضا فما كان منهما بعد هذا التلاقي الغير الموعود حتى تقاتلا وملأ بصراخهما ونعيقهما اطراف الفضاء، فرفعت النعجة نظرها اليهما منذهلة فحزنت حزنا شديدا والتفتت الى صغيرها وقالت تأمل يا ولدي ما اغرب اقتتال هذين الطائرين المسكينين ولا ندري ما سبب ذلك، او ليس من العار عليهما ان تتقاتلا وهما يسبحان في هذا الجو الواسع الذي يكفيهما ليعيشا متآخيين سنين طويلة، وما كان منها الا ان طلبت من صغيرها ان يركع معها ويصلّي لكي يسود السلام بينهما ويمتنعا عن الاقتتال، فركع المسكين مع امه وتضّرعا من اعماق قلبهما وصلّيا لكي يسود السلام بين النسرين ويمتنعا عن الاقتتال!

السعادة

السعادة شعور داخلي بالبهجة والسرور ويعيشها اهلها سعداء لا يشكون همّا لانهم قانعون ولا يمسكون في انفسهم حقدا لانهم متساوون ولا يستشعرون خوفا لانهم آمنون في جميع جوانب الحياة، فهم آمنون على ارواحهم وعلى مالهم وممتلكاتهم وهذه هي القاعدة الصلدة التي يتمناها الانسان في حياته، وقبل الولوج الى تعريف السعادة وكيف يمكن للمرء ان يكون سعيدا، عليه ان يشعر بان السعادة ينبوع من ينابيع الخير والعطاء للبشرية ونعمة من الله تتفجر في داخل القلب ومن النفس الكريمة البريئة من الرذائل والادران ومطامع الحياة الغير المشروعة فهي السعادة منفتحة كأوراق الورد حيثما حلّت وانّى وُجدت سواء كانت في القصور أم في الاكواخ في المدن أم في القرى في الانس أم في الوحشة في المجتمع أم في العولة بين الاكام أم بين الصخور، فمن اراد السعادة لا يسأل عنها الحسب والنسب او الفضة والذهب او المروج او البساتين ولا الازهار والرياحين بل يسأل نفسه فهي مصدر سعادته، وما الابتسامات التي نراها في افواه الفقراء والمساكين والمتألمين الا لأنهم سعداء بأنفسهم وما هذه الزفرات التي نسمعها تتصاعد من صدور الاغنياء والاثرياء واصحاب العظمة والجاه الا لانهم اشقياء في عيشهم وفي سريرتهم والبغض يكّدر صفو نفوسهم والعكس من ذلك المحبّة المتوقدة في صدور الناي تنير الظلمة في داخلهم، واشقى الناس من يضمر الشرّ للاخرين واسعدهم جميعا الذين تفيض في قلوبهم نعمة الرحمة والشفقة والعطف والحنان للناس اجمعين، والاسرة السعيدة من احبّت القريب والبعيد وأبدت المساعدة الممكنة لجميع الناس وحملت بين ضلوعها نفوسا شريفة طاهرة عفيفة مضحّية من اجل المساكين والفقراء، وهنا المجتمع يقول كلمته بالتحدث عن اداب ولطف وكرم تلك الاسر وما تقدمه بسخاء وبأيادي بيضاء للانسانية واذا سُئل عن انتمائها او لقبها او عشيرتها قيل ان الاسرة الفلانية من الاسر الطيبّة التي تشبه شجرة البنفسج المختبئة بين الادغال ولايعرفون مكانها. والسعادة الحقيقية هي القناعة والتي هي بحد ذاتها كنز من كنوز السعادة، فاذا شعر الانسان بنعمة الله واكتفى بما رزُق من الخيرات عاش طول عمره قانعا سعيدا مؤمنا والعكس من ذلك اذا ملك اموالا طائلة وقصورا فخمة واراضي شاسعة وبواخر تجوب البحار وحدائق غنّاء ولم يكتف وطلب المزيد سوف يرقد الليالي مفكرا بجمع الثروة متقلّبا يمينا وشمالا على سريره مصابا بالارق والهذيان وقد لا ينجو من الامراض التي سيقاسي آلامها ما يبغض اليه العيش ويحبّب اليه الموت حيث لا تحميه فخامة القصور ولا المال فيكون عبرة للمعتبرين وموعظة للسابلة الناظرين ومثل هولاء لا شفيع لهم يوم الدين.

عالمنا القديم

رسالتكِ شاة مذبوحة على مذبح الحّرية، أريد ان يكون حبّي لك على هذا المستوى، مستوى النزيف والالم والاستشهاد، احبّ مرافقتك دائما وان اتدحرج معك سنين طويلة قبل ان نتهشم معا على سفح جبال، أرجوك أن تلبسي لباس الغجر وتضعين على رأسك اكليلا من الزهور وفي جيدك اجراس من المرجان والياقوت، وتمشين في مسيرة طويلة وتطالبين بحّرية الحّب البريء وبكسر عنفوان جدران العالم القديم، وحين يهاجمك عالمنا كوحش اسود بأنيابه البيضاء ووجهه المكفهّر لا ترتعشي امامه كفأرة مذعورة ترمين صورة خطيبك امامه على الارض، ولا تلتجئي إلى صدر جدتك لتحميك واصرخي بوجهه وقولي له ان سلطان الحّب البريء اقوى منك وعليك ان تركع وتمد رقبتك ايها الوحش امام سيف الجلاّد ليحّز رقبتك ويخلّص الاحبّة من تخلّفك ليعيشوا احرارا سعداء ولينعموا بما خلقه الله سبحانه وتعالى متآخين في حياتهم فرحين مسرورين ضمن رزانة وحشمة وادب وما تمليه عليهم قوانين السماء.

لا أستطيع ضمان المستقبل

ادخلي بين ضلوعي كسيف من الفضة المصقول ولاتقرائي النشرة الجوّية التي تتمخض من العواصف والرياح التي بداخلي ولا تقيدي بالمراصد الجوية فهي تخطيء دائما في تنبؤاتها وخاصة عندما تغوص في اعماق البحار او في رمال الصحاري لوسع رقتها، حيث لا تعرف شيئا عن مزاج الحيتان في اعماق البحار والخلجان ولا عن سمك القرش ولا عن مزاج الجمال الصبورة في الصحاري والبوادي ولا عن الطيور المهاجرة لماذا تترك وتبحث عن مسالك اخرى لتقضي فترة الشتاء الشديدة البرودة، ولاتعرف عن مزاجي شيئا، لذلك لا اريد ان امنحك ثقتي بعد دخولك الى قلبي لانني لا اريد ان اكذب ولا ارغب ان اشتعل حارسا لتيجان العاج والدرر الموجودة عندك. ان عيونك الساحرة ومبسمك لا يدخلان ضمن حدود مسؤولياتي، وانا لا استطيع التقرّب منها، ولا استطيع ضمان مستقبلها، لان الصاعقة عندما تهدر في الغابة لا تستطيع ضمان عدم احتراقها، قد تنجو الغابة من نارها او قد تبتلعها السنة اللهب!

عتاب

انني اعاتب رشاقتي لانها لم تستطيع ارضاءك، اعاتب ثغرات جسدي لانها لم تمتص رحيقك، اعاتب فمي لانه لم يلتقط اللؤلؤ المتناثر على شفاهك، اعاتب خيالي لانه لم يتمكن من تفسير الوان قوس قزح المتموجة بين طيات شعرك، اعاتب نهديك لانهما لم يحتفلا بعيد ميلادي، ولكن ماذا ينفع العتاب فقد اصبحت علاقتنا ضعيفة واصبح فكرك فارغا من حنان الانوثة ومليئا برذاذ المطر وأخذ الميزان يهّتز بنا لينفجر كالبركان لانني لم أتمكن من التقاط اشاراتك ولم اكن مثقّفا بما فيه الكفاية لاقرأ افكارك واسمع ايقاع صوتك، واخيرا بقيت اعاتب واعاتب ولكن ماذا ينفع العتاب!

المحبة البريئة

كُتب عن المحبة لو وهب الانسان كل ما يملك للمساكين وأسلم جسده ليحترق ولم يكن في قلبه المحبّة فلم يفعل شيئا. لأن المحبّة لا تغش ولا تدعو للشر بل العكس انها مفتاح الخير والعمل الصالح وتدعو دوما الى التاخي والتعاون والى محبة الناس جميعا والتضحية من اجل البشرية المعذّبة، والمحبة هي الايثار ونكران الذات من اجل المعّوزين والفقراء على هذه الارض، وقمة المحبّة ان يبذل الانسان نفسه عوض احبائه، والمحبّة خطوطها عريضة ومتشعبة وحرارتها متوقدة دوما تدخل في اعماق قلوبنا فيمتلىء منها الفواد شعاعا اصيلا وضاءً منبعثا من الجوانح يضيء من حوله ويشملهم بالحنان والرحمة والعطف، لأنّ المحبّة صفة من صفات الباري عزّ وجلّ الذي احبّ البشر فخلقهم على صورته ومثاله، والمحبّة ترجعنا الى طور الطفولة وبها نرى قدح الماء نهرا والنخل اعلى وماء البحر احلى، والمحبّة تضّمنا الى قلبها وتغربل انفسنا وتحررنا من القشور وتجعلنا انقياء كالثلج، والمحبّة الصادقة قد تذيبنا كالشمعة لنضيء الطريق لغيرنا فاذا خاطبتنا نصدّقها واذا ضمّتنا بجناحيها نطيعها واذا اشارت الينا نتبعها وبذلك تقرّبنا من الله وعندما ننام في المساء نركع ونصلّي لأجل من احببنا ومن اجل من ضحيّنا لاجله واحببناه من كل قلوبنا محبّة بريئة وانشودة الحمد والثناء مرتسمة على شفتينا، والمحبّة البريئة هي التي تحقق بصدق وامانة الروابط الاجتماعية بين الافراد والعوائل وتبني اسس مجتمع متكامل متفاعل ايجابي يعلو شامخا كالبنيان المرصوص والمتماسك يؤازر بعضه بعضا في الملمات والشدائد وفي نائبات الدهر، والمحبّة هي امانة في العمل وصدق واخلاص ووعي حقيقي ودخول الى قلوب الناس من باب واسع وهي الرحيق الذي تمتصه الشفاه وتغذّي به القلوب المفعمة والتوّاقة الى مساعدة الناس، وهي بحر زاخر من الاحاسيس وشعورُ فيّاض بحاجات الناس في سبيل اسعادهم ونظرة من العقل الباطن الذي يلج الى اعماق النفوس لاستنشاق رائحة الحنان من القلوب العامرة والمليئة بالتواضع والاخلاق الفاضلة وهي صلة الجسد بالروح لها دوّي النحل في صوتها ومذاق العسل في طعمها وعبير الفلّ في رائحتها ليزيدها خضرة وعنفوانا، وختاما ان المحبّة مشاعر خالصة تنبع من صدور المؤمنين الصالحين لتسعف كل من يطلب العون والرأفة، لان الباري عزّ وجلّ قد زرع بذورا يانعة في قلوب الصديقين من البشر لانقاذ اخوانهم في اوقات المحن وتخليصهم من براثن الفقر والفاقة.

المسكرات واثرها على صحة الانسان

ان تعاطي الخمرة عادة خطرة، وما اكثر الذين كبلتهم هذه العادة فحرمتهم وذويهم مما يحتاجونه من ضروريات الحياة كالمأكل والملبس والمأوى، واذا صفرت ايديهم من المال يندفعون في سبيلها الى ارتكاب السرقة. والخمرة تخّدر العقل وتفقده توازنه وتحمل المرء على التصرفات الجنونية والاقوال غير اللائقة وتوهمه بأنه رجل قوي وذو بأس فيحاول ان يعمل اشياء هي فوق طاقته وتفسد عليه مقدرته على التمييز والحكم على الامور وتفقده الشعور بدنو المخاطر فلا يستدركها قبل وقوعها، بل انه يخاطر في الوقت الذي لا تجدي المخاطرة فيتسبب في وقوع الحوادث لنفسه ولغيره من الناس. ويعتبر الخمر اقدم المخطوطات التاريخية واغلب الظن ان اكتشاف الخمر قد حدث بطريقة الصدفة ولا بد ان احدهم قد لاحظ ان بعض الفواكه الناضجة الزائدة عن حاجته اذا ما اهملت مدّة من الزمن في جو دافيء انبعثت منها رائحة خاصة ليست بكريهة واذا ما شرب شيئا من عصيرها لعب دوره المعروف في رأسه فأخبره غيره بذلك حتى انتشر استعمال الخمر بين الناس على مرّ الزمن، واخذ الناس يشربون المسكرات على اختلاف انواعها بدون ان يعلموا شيئا عن تركيبها وما تحويه من مواد سامة وغير سامة الى ان أوضح العلم وتوّصل مؤخرا الى تحليل مكونات المشروبات الروحية والوقوف على المواد المخدّرة والمواد السامة التي تحويها تأثيرها المباشر على صحة الانسان، هذا وتنقسم المشروبات الكحولية الى قسمين رئيسين حسب الطريقة المتبعة في تحضيرها. يستحضر القسم الاول بتخمير بعض الفواكه الناضجة وفي مقدمتها العنب كما هو الحال في صنع النبيذ والذي يصنع بتخمير نوع خاص من الزبيب الاسود او بتخمير الشعير كما يحدث في صنع البيرة، والقسم الثاني من المشروبات الكحولية يستحضر بتقطير المواد السكرية كالتمر والعنب.

ان المادة المؤثرة في جميع المشروبات الروحية مهما اختلفت اصنافها واسماؤها هي الكحول الاثيلي الذي يخدر المراكز العصبية في الدماغ مباشرةً مسببا الحالة المعروفة بالسكر بدرجاته المختلفة حسب كمياته وقابلية الشخص الذي يتعاطاه.

الكحول يحوي على سّم قتال يجب اجتنابه: لا يجهل احد ما للخمر من مضارا صحية واجتماعية وخيمة على صحة الانسان فعدا عن كونه محّرماً بأمر من الله سبحانه وتعالى باجتنابه في متاب المبين، وبالرغم من كلّ هذه المحاذير يتهافت كثير من الناس على شرب الخمر في جميع انحاء العالم، لذا قام المسؤولون في البلدان الراقية بالاعتناء البالغ بالمشروبات الروحية بغية جعلها اقلّ ضررا على الجسم حيث توجد في الهواء انواع مختلفة من الخميرة منها مفيدة ومنها مضّرة وكل هذه الانواع من الخميرة تدخل في المواد السكرية كالتمر مثلا فتسبب تخمرها، ان النوع المفيد من الخميرة يحّول المواد السكرية الى الكحول وغاز ثاني اوكسيد الكاربون وكذلك تفعل الخميرة المفيدة مع المواد النشوية عند استعمالها بالعجين، اما النوع المضّر من الخميرة فيّحول قسما من المواد السكرية الى زيوت متطايرة سامة كريهة الرائحة تعرف (بزيوت فيوزل Fusel Oils) وتتقطر مع الكحول، ان وجود هذه الزيوت المتطايرة السامة في السامة المشروبات الروحية يسبب امراض الكلى والكبد مع مرور الزمن وبحسب الكميات التي يشربها الشخص وتختلف من شخص لاخر قابلية الجسم لتقبّلها، كما ان الكحول يسبب صداعا شديدا في الاشخاص الذين يتعاطونه لا سيما عند استيقاظهم من النوم في اليوم التالي. وختاما ارجو من المدمنين على تعاطي المسكرات ان يتجنبوها بقدر المستطاع رأفة بصحتهم وبعوائلهم، كما اطلب من ابنائي واخواني الشباب عدم التقرّب الى الذين يشربون الخمر وان ينصرفوا الى بناء مستقبلهم وتزيين عفتهم وشبابهم بعنفوان العادات الحميدة والسلوكية الفاضلة وان ينكبّوا على الدراسة ويكون ديدنهم التفوّق العلمي الذي يرضي الناس حفاظا على صحتهم وسمعتهم وسمعة عوائلهم وما التوفيق الا من عند الله.

التدخين

لا شكّ ان التدخين من اسوأ العادات التي ادمن عليها الانسان، فلم يكن التدخين معروفا في الحضارات القديمة وهو حديث العهد نسبيا في بعض بلدان العالم. وقبل ان ابحث تأثير التدخين في صحة الانسان يجب ان اذكر بعض الحقائق عن تركيب التبغ والمواصفات التي يجب ان تتوفر في التبغ قبل ان يكون صالحا للاستعمال. ان التبغ نبات من الفصيلة الباذنجانية ويزرع زرعا اعتياديا وتحتوي الورقة النباتية من اوراق التبغ على المادة المؤثرة التي تسمى النيكوتين وهو عبارة عن زيت نباتي ينتمي الى صنف القلويدات وهو من السموم النباتية والى جانب النيكوتين يوجد خمسة من انواع القلويدات وهي عبارة عن زيوت نباتية متطايرة سامة يتخلص منها التبغ تدريجيا اذا خُمِرّ لمدة لا تقل عن اربع سنوات تحت درجة حرارة معتدلة ورطوبة معينة، كما توجد في التبغ مادة اخرى تعطي نتائج ضارة للجسم وتترسب في القصبات الهوائية والرئة وهي مادة قطران الفحم والتي تؤذي الجسم اكثر من مادة النيكوتين؛ لان النيكوتين يطرح بعد امتصاصه عن طريق المسالك البولية اما مادة القطران فهي تترسب في المسالك التنفسية مما تؤدي الى تكوين طبقة على القصبات والقصيبات الهوائية تؤثر تأثيراً مباشراً على عملية تبادل الاوكسجين في الرئة.

يختلف تأثير التدخين في صحة الانسان من شخص لاخر وهناك حقائق ثابتة عن التدخين اثبتها العلماء أُدرجها:

ثبت علميا علاقة التدخين بسرطان الرئة والحنجرة.

يسبب التدخين التهاب الحنجرة وسعالاً مزمناً وخاصة عند الصباح.

يسبب التهاباً مزمناً في القصبات الهوائية والرئة.

يضعف عضلات القلب ويجعل دقاته غير منتظمة.

يؤدي الى ارتفاع ضعط الدم والى امراض القلب.

يؤثر تأثيراً مباشراً على المعدة والاثني عشر ويكون عاملاً مساعداً في تكوين قرحة المعدة والاثني عشر.

يؤدي الى تصلّب الشرايين والذبحة الصدرية.

يؤثر تأثيراً مباشراً على العين ويؤدي الى التهاب الغشاء المبّطن للانف.

يؤثر تأثيراً مباشراً على العين والى التهاب الغشاء المبّطن للانف.

انني انصح اخواني المدخنيين ان يقلعوا عن هذه العادة وانصح الذين لم يدخنوا ان لا يجالسوا المدخنين، لتقليل اضرار التدخين راجيا منهم اتباع ما يلي:

التدخين في الهواء الطلق

عدم التدخين بسرعة.

عدم التدخين اكثر من ثلثي السيكارة.

التدخين باعتدال.

ان يختار المدخن نوعا معّينا يروق لمزاجه على ان تكون ورقته شفافة وتبغه متخمراً.

وختاما ارجو من اولياء الامور مراقبة اطفالهم وهم في السنين المبكرة وارشادهم على اتباع العادات الحميدة واجتناب العادات السيئة وليتذكر الأبوين على الدوام ان السبع السنوات الاولى من عمر الطفل هي المرحلة التأسيسية ذات الاهمية العظمى التي فيها تتكون عقلية الطفل وعاداته عن طريق القدوة والمثال وهي مرحلة خطيرة على المربين سواء كانوا في البيت ام في المدرسة، عليهم ان ينظروا الى هذه الناحية نظرة اهتمام وترقب لينشأ الجيل الجديد قويا جسديا وعقليا، لأنّ التدخين هو عادة كلّما ترسّخت في الانسان بصغره يكون من الصعب تخليصه منها لانها تكون قد التصقت به منذ نعومة اظفاره ولذلك نصح علماء النفس والاختصاصيون من الاطباء بأخذ الحيطة والحذر من وقوع الاطفال بهذا الشرك الذي يقوّض حياتهم المستقبلية صحّيا واجتماعيا.

القمار واثاره الصحية والاقتصادية

لا ابالغ ان قلت إنّ الفرائص ترتعد عند سماع كلمة القمار والقلب ينبض بدقات اضافية وتحمرّ الخدود وتكفهّر الحواجب، لا لشيء إلا لأنّ نتائج هذه الآفة ووقعها في الاسرة كموقع الصاعقة، لأنّ الصاعقة عندما تهدر في الغابة لا تستطيع ضمان عدم احتراقها، قد تنجو الغابة من نارها وقد تبتلعها ألسنة اللهيب. والقمار وباء عضال يصيب المجتمعات في جميع الدول المتحضّرة منها والمتخلّفة ويصيب جميع العوائل الميسورة والفقيرة والمشكلة الرئيسة التي تخشى منها العوائل هي ان يصاب رب البيت بهذا المرض العضال الذي يؤدي الى ارباك في دخلها وتدهور في معيشتها ويؤثر تأثيراً مباشراً في سلوكية الاسرة وسمعتها، والمشكلة المستعصية هي ان الجنوح الى هذه الشهوة لا يتعدى ان يكون استهتارا في القيم والاخلاق، فعوائل كثيرة تفسّخت نتيجة الولع في لعب القمار الذي انهك العائلة اقتصاديا فارتمت بحضيض الرذيلة، اما الشباب والصبية فقد انحرفوا اجتماعيا نتيجة هذه العاهة التي اصيب بها والدهم ولا نريد ان نوّضح في هذا المقال المتواضع اكثر من ذلك، وقد قيل الحليم تكفيه الاشارة، فالمقامر لولا حبه للمال لما هان عليه ان يبذل راحته وشرفه وسعادته في سبيله والعكس هو الصحيح لو لا زهده لما قدم باختياره على تبديده على مائدة القمار، لا لغاية يطلبها ولا لمآرب يسعى اليها بل لاشباع رغبة جانحة، وهنا تبرز مشكلة اجتماعية لا بدّ من التطرّق اليها، كيف يطلب رب العائلة من اولاده ان يمتنعوا عن ممارسة هذه اللعبة وهو يمارسها؟! ألا يتوقع ان يجابه بعبارات قد لاتروق مقامه، وهنا يحدث التفسخ الخلقي والاجتماعي بين افراد العائلة مما يؤدي الى فقدان سيطرة الاب الادبية والاجتماعية وتكون النتيجة انهيار الاسرة بكاملها.

ان المقامر ما جلس على مائدة القمار إلاّ بعد أن استقر في ذهنه ان الدرهم الذي في يده سيتحول الى دينار ويعود الى بيته فرحا مسرورا مغتبطا، والمقامر يؤمّل الربح لأنه يرى عن يمينه رجلا ربح وجمع دراهم اقرانه ووضعها في جيبه واحدا تلو الاخر ليضعها على مائدة القمار فتسلب على مرأى ومسمع من صاحبها وبدون حراك او كلام. منظران مختلفان يُضحك الاول ويُبكي الثاني، ولكني اتسأل هنا هل يعرف المقامر ماذا يقول عنه صاحب الصالة بعد خروجه من القاعة وما هو الفرق بين عبارات الاستقبال عند دخوله وعند خروجه خاسرا، وهنا يبدأ يلعن نفسه ويلعن الذي علّمه، ثم يبدأ يسير في الطريق عائدا الى داره وفي عقله الباطن عشرات المشاكل التي تفقده توازنه، وما ان يدخل البيت حتى تبادره زوجته بالسؤال اين قضيت ليلتك؟ ثم يلتّف حوله الاطفال يسألونه عما جلبه لهم من الحلويات من السوق القريبة ضناً منهم انه كان في امسية مع رفاقه وهنا يرجع الى نفسه ويبدأ يلومها ويندم على ما فعل ولكن هيات ساعة مندم، ثم يبدأ يأخذ قراراً في سريرته بعدم تكرار ذلك وانه سوف يترك هذه العادة لأنها لا تجدي نفعا ولاتفيد بشيء، ولكن ما ان تدقّ الساعة الموعودة في اليوم الثاني حتى تراه يمشي في الطريق المؤدية الى القاعة فاقدا السيطرة على ميوله الهوجاء ناسياً عائلته واطفاله، مرضيا رغباته وجوانحه واصدقائه فقط.

الوضع الاجتماعي والصحي للمقامر:

ان الذين يجلسون على مائدة الميسر لقضاء امسية او لقتل الوقت كما يدّعون تربطهم علاقات إما أن تكون عائلية أو علاقة صداقة واغلبهم من اصدقاء الطفولة نشأوا وترعرعوا في حارة واحدة يساعد بعضهم البعض في حلّ المشاكل ويؤدي كل منهم ما عليه في الشدائد والمصائب ويشاركون بعضهم البعض في الافراح والامسيات العائلية، اما على المائدة المستديرة فيخلع المقامر حلّة الاخوّة والصداقة ويلبس فروة الاسد والذئب ويبرز أسنانه ليقتنص فريسته التي امامه بكل قساوة ورهبة ناسيا جميع العلاقات التي تربطه بهولاء الناس، لا لشيء الا حفاظا على دراهمه وطلبا للمزيد من جيوب اقرانه الحاضرين، وهنا يبدأ تسجيل الاخطاء واحداً ضد الاخر وتأشير الحركات السلبية وفي كثير من الاحيان يُسمع بعضهم البعض الكلمات النابية والغير اللائقة بموقعهم الاجتماعي ولا يستبعد حدوث شجار قد يزيد عن رشق واحدهم الاخر بكلمات بذيئة بل يُفضي الى الضرب في الايدي، الامر الذي يؤدي الى حدوث مشاكل عائلية لا يحمد عقباها.

اما وضع المقامر الصحي والنفسي فلا يحسد عليه، فمنذ اللحظة الاولى لبداية اللعب تكون اعصابه منشّدة ومتوترة وعيونه محدقة الى كل صغيرة وكبيرة ونفسه منقبضة تؤثر فيها كلمة او زلّة بسيطة من اقرانه وذا مزاج حسّاس لأي مؤثر خارجي، وخلال ساعات اللعب وعندما يكون وضعه سلبياً قد يصاب بنوبات قلبية او هيستيرية وقد سجل علماء النفس حوداث كثيرة بهذا الصدد.

أنا لا أريد أن أنصح المقامر ليترك لعب القمار لأني اعتقد ان من يملك عقلا مثل عقله وفهما مثل فهمه لا استطيع انا ولاغيري ان يغّير ما بداخله وإنما أريد أن اقول للذين لم يقّدر لهم ان يخطوا خطوة واحدة في هذه الطريق الوعرة ومن اليوم لا تقامروا فإن من حام حول الحمى يوشك ان يقع فيه ولاتصاحبوا المقامرين بحال من الاحوال فأنهم لا يرضون عنكم حتى تتخذوا من صنعتهم ديدنا لكم، فان فعلتم خسرتم مالكم وعزّتكم وكرامتكم من حيث لا تجدون رحمة من القلوب ولا احد يعوّض لكم خسارتكم. فارحموا انفسكم ان كنتم راحمين واتقوا الله في عوائلكم ان كنتم مؤمنين. وختاما ارجو ان يكون هذا المقال المتواضع درسا لكل من يريد ان يعتبر، لان الحياة متشعبة ودروسها قاسية والرجل الحكيم من استفاد واعتبر من تجارب غيره والله الموفق.

الضمير.. ضميرك الحي اساس حياتك

الضمير هو القوّة التي تبعث من العقل ومن القلب وتسري بين الضلوع لتملي على الانسان وتُفضي اليه بما يجب عمله وما يجب تجنبه وما هو صالح لمسيرته في هذه الحياة وما هو سيء، فهذه القوة الخلاقّة الكامنة بين الضلوع والتي هي مجموعة احاسيس خلقها الباري عزّ وجلّ في الانسان لتنبع من فؤاده ومن عقله الباطن ولتكن كحزام امان يقي الانسان من الاخطاء ويمنعه من ارتكاب أي عمل مخالف للقوانين والشرائع ويؤنبه في السّر، وخاصة عندما يختلي بنفسه ويبدأ يفحص ويتبصر ما عمله خلال النهار، وهل استقام بمعاملاته تجاه الاخرين؟ وهل قام بواجبه تجاه المجتمع على الوجه الاكمل أم ارتكب خطأ مع هذا فأخذ منه مبلغا اضافيا في الحاجة الفلانية؟ ومع ذاك فوزن له اقلّ مما يستحق وكذب على اخر وأساء معاملة فلان، فيتولى الضمير محاسبته على افعاله وتظهر جميع تصرفاته أمام عينيه كظهورها على شاشة التلفاز وتنطبع بمخيلته ويبدأ بمحاسبته. اما تصرفاته الشخصية والاخلاقية فيكون لها الضمير بالمرصاد فهو الرقيب على الحركات والسكنات وهو الذي يملي على الانسان ما يجب عمله من خير وما يجب تجنبه من اعمال شريرة، والانسان اذا فقد ضميره اصبحت حياته مرّة ولا يتمكن من العيش بسعادة حيث يفقد التوازن الاخلاقي والاجتماعي ويفقد موقعه وتتشابك عنده المشاكل الاجتماعية والاقتصادية مما يفقده التمييز بين الخير والشرّ وتكون نتائج اعماله كلّها سلبية تؤدي به الىالهاوية وسوف يشار اليه بالبنان بأنه عنصر سلبي في المجتمع. فضمير الانسان هو عقله النيّر الخفي والرقيب على سكناته وحركاته، والضمير قد يكون متأثراً بالتربية الشخصية وبنشأته وظروفه سواء في البيت أم في المدرسة أم في المجتمع الامر الذي ستتحكم هذه الظروف في مسيرته وفي تصرفاته واخلاقه. وعلى المرء ان ينصاع لنداء وتوجيه الضمير ليسلم من الخطأ وليتمكن من السير في الطريق الصحيح في حياته، كما انه مسؤول امام ضميره عما يجب ان يفعله، لذلك لا اسّمي الكريم كريما حتى تستوي عنده صدقة السّر وصدقة العلانية وليس الصادق صادقا حتى يصدق في افعاله صدقه في اقواله، ولا الرحيم رحيما حتى يبكي قلبه قبل ان تبكي عيناه ولا المتواضع متواضعا حتى يكون رأيه في نفسه اقل من رأي الناس فيه ولا ينفع المرء ان يكون زاجره عن الشّر خوفه من عذاب النار او خوفه من القانون، فمن اراد ان يّعلم الناس مكارم الاخلاق فليُحي ضمائرهم وليبث في نفوسهم شعوراً بحّب الفضيلة ونفورا من الرذيلة بأية وسيلة شاء ومن أي طريق أراد، فليست الفضيلة سطورا من المحفوظات تحشَّى بها الاذهان بل ملكة يصدر منها شعاع مثل شعاع الكواكب واريج وعبق مثل عبق الازهار فالشرر الذي ينبعث من عيني الغيور حينما تمتد يد من الايدي الى العبث بكرامته والصرخة التي يصرخها الابّي في وجه من يحاول مساومته على الخيانة بجميع انواعها والحمرة التي تلبس وجه المرء العاقل خجلا من السائل الذي لا يستطيع مد يد المعونة اليه، هذه الامور هي التي تساور قلب الكريم صاحب الضمير الحي كلّما ردّ سائلا محتاجا او أساء الى ضعيف مسكين، وكذلك الدمعة التي تترقرق في عين الرحيم كلّما وقع نظره على نظر من مناظر البؤس او مشهد من مشاهد الشقاء فتتحرك جوانحه ويبدأ ضميره الحي يأخذ من هذه الامور درسا سليما في حياته، وختاما ان الله سبحانه تعالى اعطى للانسان العقل الباطن والضمير يُنيران قلبه ويرشدانه الى الاعمال الصالحة ويبعدانه عن طرق الشرّ والرذيلة ويلبسانه ثوب الفضيلة لا طمعا بالجنة ولا خوفا من النار بل من اجل الفضيلة ومن اجل حياة مستقيمة كريمة ترضي الله وترضي الناس.

حب بريء من اعماق البحار

ان شعوري نحوك واحساسي بك متباين، ففي وضوح النهار اغمرك بمياه حناني واغطيك بالغيوم المتلبّدة والمكفهّرة لتهطل عليك غيثا يروي حقولك المتعّطشة الى قطرات الندى التي تتلألأ على اوراق اشجارك الخضراء والى الماء الذي يسقي حقولك، اما في الليل وعندما تنخفض درجات الحرارة وانت نائمة فسأعطيك باجنحة الحمام وسأوصي البلابل ان تغّرد اناشيد سمفونية فوق سريرك لترفلي بنوم هاديء حتى الصباح، ولكني اخشى ان لا اتمالك نفسي وان افقد سيطرتي على جوانحي واتصّرف كالنسر وانقّض عليك واجتاحك كقبيلة تغزو وقبيلة اخرى، فأنت هدفي وأنت مهجتي وانت قرّة عيني وعلّي انقاذك من البؤس والشقاء الذي انت فيه لتكوني بقربي وبين اضلاعي فمن اجلك جيشت الجيوش لأغزو قبيلتك فكوني على علم لان صوتك يختلج بصدري كصوت الناي، فكل ما املكه لا يساوي نظرة من حور عينيك، فيا حبيبتي عندما تدق الساعة ويبدأ الهجوم فالريح والعصف والرعد والبرق تنذر في بداية هجومي وقوس قزح يبشر بنهايته، لكني لن اضرب احد ولن اسلب الحرائر ولن اغزو قبيلتك من اجل الاخذ بالثأر بل لنصبح احباباً واقارب وجيراناً حتى خيولنا تحبّ بعضها بعضا وسوف نرتبط بصلة الرحم ونتعانق وتمتليء قلوبنا فرحا وبهجة وسروراً، ويختلط دمنا بدماء عشيرتك ونصبح جسدا واحدا نفرح لفرحكم ونحزن لاحزانكم وسوف اقبّل التّوافة للحبّ البريء، تمعنّي وفكّري ملياً عزيزتي بما اقوله لك واطلبي من امّك ان تكون شفيعتي امام والدك وان تدافع عنّي وعن حبّنا كالمحامية امام القضاء العادل الذي يُعطي للاحّبة حقهم الطبيعي، وسأمثل امام والدك وافتح له صدري واقّبل عيونه ووجناته نزولا عند رغبتك، فان فعلت ذلك واستجابت امّك بموقف ايجابي فالسعادة تنتظرنا والوئام والانسجام والمحبّة تسود قبيلتينا.

يا حبيبتي يا من ملكتِ قلبي واستوليتِ على جوانحي فقد اصبحتُ اسيراً بدون سلاح والقيت كل ما عندي من عتاد من اجل روحك الطاهرة وعيونك الحالمة، وقد طوقتيني بسوار معصميك كما تطّوق الهالة القمر فارحمي اسير حبّك الجاثي امام ركبتيك والناظر الى عيونك المليئة رقة وعطفا وحناناً، لا تغدري بمن شغف بحبّك ولاتكوني قاسية بمن ضحّى بالغالي والنفيس من اجلك، لقد نظرت اليك من بعيد كنظرتي الى المحيط بمياهه العارمة وامواجه المتلاطمة، عقلي الباطن يكلمنّي ليلا ويحثني للتقرّب منك والوصول الى كنوزك الدفينة التي لم يكتشفها احد سواي، لكن ذاكرتي ضعيفة كذاكرة البحر الذي لا يعرف اسماء المدن المطلّة على سواحله ولا يعرف اسماء الذين يزورنه، وانا ايضا لا اتذكر اسماءهم الاّ القليل منهم وخاصة افراد قبيلتك لأني اريد الانتساب اليكم والاختلاط بدمائكم الزكية لان الزوار كثيرون من مختلف بقاع الارض وليس لي موسوعة لأسجّل اسماءهم لانني لست مهتّما بأمرهم وخاصة الصبية والفتيان لأن كل شاب يدخل اعماق البحار يذوب كالشمعة كما يذوب الحبيب بأحضان حبيبته وكل شابة تطلب الاستحمام بمياه المحيط تذوب من شدّة وقساوة الاملاح الموجودة في مياهه فتخرج مسرعة الى الساحل لأنها لاتتجاوب مع حرارة الحبّ ولا تتحمّل قساوة المناخ والحرارة الشديدة المحرقة، وكل نهد من نهود الرشيقات تسقط كسبيكة ذهبية على رمال الشاطي لا تلبث ان تذوب وتصبح نحاساً يفقد قيمته الشرائية في اسواق العملات النادرة وينصهر بالبودقة كانصهار الذهب في النار في سوق الذهب. حبيبتي كوّني لك حكمة كحكمة السفن الفينيقية التي خاضت عباب البحار واكتشفت القارات المجهولة التي لم يصلها انسان في ذلك العهد، وكوني واقعية كالمرافيء على سواحل البحار والمحيطات التي تتظاهر بعقد القران وتهيء كلّ ما تتطلبه حفلات الزواج ولكنها لا تتزوج احدا من زوارها بل تستقبلهم بوجه بسّام وفرح وتفسح لهم المجال الواسع لممارسة الحبّ البريء الاخوي لتريح اعصابهم ولتزيح عنهم عناء العمل وتعيد اليهم حيويتهم ونشاطهم وتقبل زيارتهم برحابة صدر لا مثيل له وتفرح قلوبهم التواقة الى الدفيء والى رحيق الازهار والى البلسم الذي يداوي الجروح، وبعد انتهاء الزيارة تغادر السفن المرافيء الحبّ بينهم ويبدأ الرحيل بسلام حار مقرون برفع الايدي والتلويج بالنظرات العابرة فقط فتغيب السفن في عباب البحر وتبقى الاعناق مشرئبة والانظار تحدق والقلوب تخفق ولكن بدون جدوى أمّا قلوب العشاق تبقى مليئة بالأمل.

حبيبتي ارجوك ان تنصتي الى دقات قلب حبيبك وكوني الطبيبة المعالجة لمرضه الداخلي الذي لا شفاء له الا بعطفك وحنانك ورقة قلبك وما يختلج بين اضلاعك وليكن حبّك صادقا بريئاً واتركي الامور للعناية الالهية فهي تسعد وتغني وتفرح القلوب المؤمنة من اجل اسعاد البشرية جمعاء، ان شاء الله محبة بحد ذاته ومن حبّه الفياض للبشر خلقهم على صورته ومثاله لتظهر اعماله فهو الخالق العليم الحكيم القوي الجالس على عرش المجد بيده مفاتيح الجنة يدخل اليها من يشاء من عباده الصالحين الذين نذروا انفسهم وضحّوا بحياتهم من اجل البشرية المعّذبة ومن اجل الفقراء والمساكين.

وقفة امام الجمال

تركت المدينة وضجيجها وتدرجت في مشيتي نحو سفح الجبال المجاور لقريتنا وانا اتابع الجدول المنحدر من اعلى الجبل الى الوادي مصغيا الى تغريد العصافير حتى وصلت مكانا كثرت فيه الاشجار التي حجبت بأغصانها اشعة الشمس، فجلست اناجي نفسي واسامر وحدتي وما هي الا دقائق حتى انطلقت الى الفضاء لأشاهد فتاة حسناء في مقتبل العمر واقفة على مقربة مني، حورية لم تتخذ من الحلّي والحُلل سوى لباس من القماش المزركش وبعض اغصان من الكرمة تستر بها قامتها ووضعت على شعرها الذهبي المسترسل على كتفها اكليلا من شقائق النعمان واخذت تنظر الى وجهي متفرسة وعندما عَلِمَتْ أنني سُحرت بجمالها قالت لا تخف انا الجمال، فقلت وقد ردّت حلاوة صوتها انفاسي وهل يسكن من كان مثلك جبالا سكنتها الوحوش، بربّك قولي لي من انت ومن اين اتيت، فقالت بعدما جلست فوق صخرة موجودة بين الاعشاب المنتشرة هنا وهناك، انا رمز الطبيعة انا الجمال، انا قيثارة داود الملك انا حكمة النبي سليمان انا السحر انا العنفوان انا نجمة الصبح انا الفرقدان انا الزهرة التي تتلألأ في كبد السماء ليلا انا الماء الزلال انا الثلج فوق القمم الجبال انا الروح الوثابة في قلوب الشباب انا الذي خلقني الله على صورته ومثاله انا جمال الاخلاق انا المحبّة انا المروءة انا الرحمة والشفقة انا التي خلقت لتتمتع البشرية بالنظر اليّ، انا من اغرب العقلاء والنبلاء انا المناظر الخلابّة التي استهوت الافئدة انا ضوء القمر الخافت ليلا واشعة الشمس المضيئة نهارا، انا من دخل قلب ادم وأخرجه من الفردوس، انا حواء الطبيعة، انا عشق البشرية في غدّوهم ورواحهم انا من هام بي العشاق وانشغل بجمالي الصبية والفتيان، انا ابتسامة الورود، انا تغريدة الطيور انا السمفونية التي تعزفها البلابل صباح كل يوم، انا دواء العليل وبلسم الجريح ورجاء الشيوخ المسنين، انا الامل الذي من اجله تعيش الطفولة انا رقة وعطف وحنان انا جمال البساتين التي تزّينها الورود والازهار والرياحين، انا الحياة بعينها، انا جوقة من الملائكة ترفرف بأجنحتها فوق الارض الى منتهى الدهر انا التي عبدها اجدادك وبنوا من اجلها الهياكل لعبادتها. قلتُ تلك الهياكل قد تهّدمت وعظام اجدادي اصبحت اديما للارض، ولم يبق منها سوى الاثار قالت وعلى شفاها ابتسامة الازهار وفي نظرها اسرار الحياة انتم بني البشر تخافون من كل شيء، تخافون من السماء وهي منبع الامان، تخافون الطبيعة وهي مرقد الراحة. وبعد سكينة قلت لها لقد اختلف الادباء والفلاسفة والعلماء بتمجيد الجمال، اجابت الجمال هو كل شيء يجذبك اليه، هو كل شيء تراه وتوّده وتعشقه، والجمال ما تشعر به من اعماقك وهو تواصل والفة بين الحزن والفرح وهو قوة تبتديء في قدسيه ذاتك وتنتهي بتخيلاتك. وهو تهيج احاسيس العقل الباطن لتقبّل قوة خارقة متجهة الى صدرك مليئة بالحبّ والسعادة. ثم اقتربت منّي ووضعت يدها الرقيقة العطّرة على عيني ولما رفعتها رأيتني وحيدا في ذلك الوادي، فرجعت الى داري وانا افكّر بالجمال وما تعنيه كلمة الجمال وركعتُ مصلّيا امام تمثال الجمال.

باقة ازهار

في احدى المدن كان يسكن شاب في بيت متواضع وكان قريبا من الجامعة التي كان يتلقى فيها دراسته حيث كان يذهب للدراسة مشيا على الاقدام لا يعاني من شيء سوى ما اصاب قلبه بتعلّقه بفتاة في مرحلته الدراسية فقد تعلّق بها مثلما يتعلّق الرضيع بأمه واشتاق للتقّرب منها كاشتياق الفراشة للرحيق والياسمين للطّل والصحراء للمطر والضرير للبصر، وكان يبادلها الحبّ والاحترام وكانت من خفة الدم ومن الادب والحشمة ما يعجز الوصف، اما الجمال فاليراع لا يطاوعني للتحدث عنه، عيونها كعيون المها والحور زادها حسنا وجمالا، ورشاقة القدّ والشعر مسترسل على كتفيها ووجناتها تقطر عطرا وخمرا وثغرها يبتسم للنسيم. وبقيا يتلاقيا ويتبادلا ما طاب لكليهما من عبارات الوّد والمحبّة البريئة. وفي احدى الايام وفي ليلة ليلاء حالكة السواد وبينما كان الشاب ذاهبا الى غرفته للنوم وفي مخيلته امور كثيرة، اخبره احد زملائه بأن شاب من ذوي الرفعة والجاه والحسب والنسب يتقدم لخطبة الفتاة التي يحّبها وهو يملك من مقومات الزواج ما تتهيأ له الفرصة المناسبة لذلك، فوالده يملك قصوراً فخمه واراضٍ زراعية شاسعة ومعامل انتاجية، والقصر مليء بالخدم والحشم، فما كان منه الاّ ان استلقى على سريره واخذته سنة النوم من شدّة الاهاق والتعب وبدأ الدمع يترقرق من مقلتيه واصبح بين غفوة وصحوة بعد ان اثقل الكرى جفنيه، وبينما هو على هذه الحال وقد اكفّهرت الغيوم امام عينه واذا به امام وجه وضّاء وثغر باسم وقامة رشيقة وعيون حالمة تدخل غرفته وبيدها باقة من الازهار وما ان شاهدته على هذه الحال حتى رقّ قلبها ورثت لحاله وجلست تحت قدميه ترقب يقظته وبعد هنيهة حمل النسيم الى انفه نغمات ونفخات تلك الازهار فانتعشت روحه وتحّرك من مكانه وفتحت عيناه فرآها تبتسم وتتهللّ فرحا ولكنها بادرته بالقول نعم يا حبيبي نعمت مساءً ونعمت جميع ايامك، ثم مدّت يدها وأعطته باقة الازهار وقالت لقد اقتطفت لك هذه الازهار الجميلة التي تحّبها اكثر من سواها ضعها عند سريرك وروّح نفسك بعطرها واطرد عنك احزانك وهمومك. فأخذ الازهار من يدها واستنشق عبيرها وتنفس نفسا عميقا ثم نظر اليها نظرة عذبة وهو لايكاد يصّدق ما يرى، وقال لها اتعلمين يا حبيبتي انني استنشق هذه الازهار التي أهديتها إليَّ كأني استنشق انفاسك العطرة وان الذي ينعشني ويرّفه عني همومي والآمي ليس هذه الباقة انما هو اريجك. فللحال ارتعدت لسماع هذه الكلمات وظلّ قلبها يخفق خفقانا شديدا ووهنت ولم تستطيع ان تنبس ببنت شفة وظلّت شاخصة اليه ببصرها ولكنه تدارك الامر وبادرها بالحديث قائلا يا حبيبتي كنت اطلب الموت قبل دخولك الى غرفتي ولكن عندما رأيت هذا الجمال المتلالي في عينيك وشممت انفاسك العطرة المنبعثة من اوراق ازهارك احببت الحياة من اجلك واصبحت اتمنى ان اعيش لأراك واقضي حياتي بجانبك، فشكا لك يا صديقتي انت النجمة الوحيدة الباقية في سماء حياتي بعد ما غربت جميع نجومها وانت الضياء الذي ينبعث الى اعماق سجني المظلم الحالك والذي بدد ظلمتي وملأ قلبي املا ورجاءً، انت الواحة الخضراء الخصبة التي التجيء اليها في الصحراء الموحشة فأنام تحت نخيلها واتبرّد بمياهها. فأجابتني ليتني استطيع ان اكون عند حسن ظّنك يا حبيبتي بل ليتني استطيع ان اقاسمك هذه الهموم والاحزان او احتملها عنك حتى اراك دائما بين يديّ باسما منطلقا في جميع ساعاتك، انني حبيبتك وليس لي ان اسألك عن سبب همومك واحزانك ولكني استطيع ان اتضّرع اليك ان تسّربها عن نفسك وتهوّنها عليك، انت شاب فاضل وعفيف النفس وشهم وقد اخبرتني بأن الرجل الفاضل والشهم يعيش في شرفه وفضيلته وشهامته في سعادة لا يهنأ بهاالملوك في قصورهم. فقلت لها من اين عرفت انني رجل فاضل وعفيف. فقالت لو لم تكن هكذا لما احببتك لقد قضينا سنوات الدراسة في الجامعة سوّية وقد رضيت بما انعمه الله عليك من كرامة الاخلاق وحسن التصرف والادب والحشمة وبراءة النفس وعفتها واعتقد جازمة بأنك تبادلني هذه الفكرة في نفسي فكن صريحا ان كنت كذلك، فابتسمت وقلت لها اذن انت تحبيني قالت نعم يا حبيبي ولولا ذلك لما اتيت في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فقلت لها علمت بان جارنا الثري قد تقدم لخطوبتك من اهلك وقد اغراهم بما يتيسر لديه من جاه ومال، فأجابت نعم تقدم لخطوبتي وعندما أخذ رأيي رفضت الطلب وانتهى كل شيء، وابلغت اهلي بأنني لا احبّ غيرك ولن اتزوج الا منك، لانك قد دخلت بقلبي دخول الاظفر في لحمي، ولقول لك لولا كرامة امّك عليك وجلال ذاكرها في قلبك لقلت لك انها ما كنت تحبّك في حياتها اكثر مما احبّك انا اليوم، فأطرقت صامتا لتلك الذكرى المؤلمة ومرّت بجبيني سحابة سوداء قاتمة فرفعت رأسي وقلت لها قد ذكرتني بأمي فما احسبها الان إلاّ ناقمة علّي في قبرها وتسأل الله ان يعاقبني، واخجلتاه من نفسي يوم القاها في الاخرة، فارتاعت عند سماعها هذه الكلمات وذهبت بها الظنون بعيدا وظلّت تنظر اليّ حائرة وقد بدأت تفهم ذلك السّر الذي اعياني زمنا طويلا وهو مصرع والدي ولكنها ابتسمت قائلة هوّن عليك الامر يا حبيبي ولاترتب في نفسك ولا في ضميرك، فما انت بمجرم ولا مذنب ولا قاتل ولكنك رجل عاقل وشريف ولولا انك كنت كذلك لما احببتك وقد علمت قصة والدك وكيف تناول الادوية بدون علمه بخطورتها وبجرعات كبيرة ادّت الى وفاته وكان رجلا امّيا قد فقد توازنه لكبر سنّه ولمرضه العضال: فللحال مددت يدي اليها وتناولت يدها وقلت لها هل تعديني أن تكتمي في صدرك كل شيء؟ قالت: نعم اعدك وعدا لا رجعة فيه. قلت وشيء اخر يا حبيبتي، قالت: وماهو؟ قلت لها: بعد ان ادنوتها من صدري اتقسمين لي على الحبّ حتى الموت؟ قالت: نعم اقسم لك. قلت لها: بما تقسمين؟ اجابت بكل ما تسكن به نفسك، قلت: ضعي يدك على السيف واقسمي به قالت افعل هذا بشرط، قلت: وماهو؟ قالت: ان تهديني اياه بعد ذلك.

قلت لها وماذا تصنعين به؟ قالت: اقتل به نفسي يوم يحلّ بك مكروه فناولته اياه فوضعت يدها على السيف وأقسمت به ان تحافظ على الحبّ والاخلاص بيننا حتى الموت وأقسمت لها انا ايضا بأن لن اتزوج سواها، فتهللّت فرحا وسرورا وحضنتها ضاما اياها الى صدري وقبلّتها في ثغرها قبلة كانت عزاءها وعزائي الوحيد عن كل ما مرّ بها في حياتها وما مرّ بي في حياتي، واستبشرنا خيرا بهذا الوعد الذي كان نتاجه قراننا حيث لم تمض سوى سنة واحدة ونلنا الشهادة الجامعية التي حملناها بعزّ وشرف وبعد ان استقرت امورنا اقدمنا على عقد القران وبيننا اساس عائلة حباها الله بالمّودة وبحياة هادئة مبنية على المحبّة البريئة والتفاهم. فشكرت الباري عزّوجلّ على نعمته وشكرت العناية الالهية التي نظرت الى ضعفي وفقري واهدت لي زوجة مثالية امينة كريمة النفس تمكنا من العيش بامان وقناعة طول العمر، وقمنا بواجباتنا المطلوبة منا تجاه عوائلنا وارتبطت العائلتين بوثائق القربى ونلنا بركة الباري عزّ وجلّ في جميع مشاريعنا التي قمنا بها مما مكننا ان نمد يد المساعدة للفقراء وللجمعيات الخيرية ولدور اليتامى وغيرها من الجمعيات ذات الطابع الانساني.

القبلة

القبلة تواصل اخلاقي وترابط بين شخصين ذات معاني عميقة، وسرّ عميق يصل الى العقل والقلب معا عن طريق الفم ولحظة قصيرة الزمن ودائمة الحلاوة وطريق مختصر لاستنشاق رائحة القلب وتذّوق طعم الحبّ على الشفتين، لها دوّي النحل في صوتها ومذاق العسل في طعمها وعبير الفلّ والعسل والياسمين في رائحتها، والقبلة الشريفة النابعة من الفؤاد تشبه صوت القيثارة في وقعها ولحن معزوفة سمفونية تختلج بين الضلوع لتشفي القلوب التوّاقة الى الحرارة مقرونة بطمأنينة متواضعة تستجيب لرنين الابتسامة الصادرة من وجنات الحبيبة؛ لأنّ كل نظرة تثير في القلب عنفوانا جديدا يزيدها حيوية كأنها قطرات الغيث التي تمّر على صفحات الماء، فهنيئاً للذين يذوقون طعمها ويتناولون ثمارها ويرتشفون كؤوسها ويتعطرون بأريجها.

(القبلة الاولى المؤدية الى القِران)

القبلة الاولى هي الرشفة التي امتلأت منها الكأس من كوثر الحبّ ومجموعة مشاعر واغاني تنطق بها الشفاه معلنة تتويج القلب عريّسا والحبّ ملكا، فالقبلة الاولى هي اول زهرة في شجرة الحياة، وهنا يبتديء الحبّ ينظّم الحياة وينشيء سورا لمستقبل افضل مع شريكة العمر وصولا الى القران الذي هو اتحاد عالمين متجانسين وحلقة ذهبية من سلسلة كان اولها واخرها سجن في قفص ذهبي، فالقبلة الاولى هي ثمرة يانعة تشبع الجياع وتطفي لهفة الظمآن بماء نقي تمتليء به الرياض والحدائق فنجدها تزغرد كالعصافير وتحضن بعضها بعضا كالحمام وتمتص من الزهور الموجودة في الحدائق الرحيق كالنحل لتنتج عسلا نقّيا صافيا يشفي العليل ويغذّي المحروم من نعمة الحياة.

صلاة يتيم وامه في ليلة الشتاء

اسدل الليل ستاره في ليلة من ليالي الشتاء البارد وبدأت الثلوج تتساقط على قرية صغيرة بيوتها مبنية من الطين، قائمة على سفح الجبال فجعلت تلك الحقول والهضاب صفحة بيضاء وبدأت الرياح الهوجاء والعواصف تمزج غضب الجو بالطبيعة الهادئة واختبأ الناس في منازلهم والحيوانات في مرابضها وسكنت حركة كل ذي نسمة حية ولم يبق غير برد قارص وزمهرير هائج وليل قاتم حالك السواد مخيف وريح صرصر مريعة، وكان في منزل منفرد في تلك القرية امرأة جالسة امام الموقد تنسج الصوف رداءً لأبنها اليتيم والجالس بقربها وكان الطفل ينظر الى امه، وما هي الا ساعات حتى عصفت الرياح بشدة وهزّت اركان ذلك البيت فذعر الصبي واقترب من امه محتميا بحنوها من غضب البرق والرعد وهبوب الريح العاتية، فما كان منها الاّ ان ضمتّه الى صدرها وقبلّته ثم اجلسته على ركبتيها وقالت لاتجزع يا بني فالطبيعة تريد ان تعطي الانسان درسا في عظمتها وتظهر قوتها امامه فلاتخف يا بني، فمن وراء الثلوج المتساقطة والغيوّم المتلّبدة والرياح العاصفة خالق يعلم ما يحتاجه الانسان وما تحتاجه الطبيعة ومن وراء كل شيء قوة ناظرة الى ضعف الانسان، لا تجزع فالطبيعة التي ابتسمت في الربيع بخضرتها وازهارها واشجارها وخرير مياهها وتبسّم الناس مهللّين فرحين بجوها الصافي وبزغردة طيورها ومرحهم وكذلك ضحكت صيفا بحرارته وجني محاصيله وتأوهت في الخريف بعصير كرمته وفواكهه واثماره التي ملأت المتاجر والاسواق، تريد اليوم ان تبكي ومن دموعها الباردة تسقي الحياة الرابضة تحت اطباق الثرى. نم يا ولدي ففي الغد تستيقظ ورتى السماء صافية الاديم والحقول لابسة رداء الثلج الناصعة مثلما تريد النفس ثوب العفة والطهر، نم يا ولدي سوف تجني الازهار الجميلة عندما تجيء نيسان، نم يا صغيري سوف تأتي الاحلام العذبة الى نفسك، ونظر الصبي الى امه وقد كحل النعاس عينيه وقال: أثقل الكرى أجفاني يا اماه واخاف ان انام قبل تلاوة الصلاة فعانقته الام الحنون ونظرت من وراء الدموع الى وجهه ثم قالت: قل معي يا ولدي، اشفق علينا يارب واحفظنا من قساوة البرد القارص واستر اجسامنا العارية، انظر الى اليتامى النائمين في الاكواخ واسمع يارب نداء الفقراء واليتامى والارامل واشفق علينا يا ارحم الراحمين، افتح يارب قلوب الاغنياء ليروا فاقة الضعفاء، ارفق يارب بالمرضى من الاطفال والشيوخ الذين لا عون لهم، والى الجائعين الواقفين امام الابواب بهذا البرد القارص، ارحمنا يارب، ولما عانق الكرى نفس الصبي مددّته امه على فراشه وقبّلت جبته ثم رجعت وجلست امام الموقد لتكمل نسج الصوف رداءً لطفلها اليتيم.

نعمة المطر واغنيته السمفونية

المطر انشودة يتغنى بها الناس جميعا ورذاذ ثم غيث ثم مطر منهمر وخيوط ممزوجة بأديم الارض ليغذّي تربتها ويقول اذا بكيت بغزارة اشفي الغليل واروي العطشان، شرارة البرق وصوت الرعد تبشر بقدومي وقوس قزح يعلن نهاية هجومي، اصعد من البحر وآخذ من امواجه ما شئت واحملها على اجنحة الاثير حتى اذا رأيت رياضا جميلة وحقولا خضراء وسهولا فسيحة مزروعة سقطت من الاعالي لأقبّل ثغورها وازهارها وأعانق اغصان اشجارها وادخل كهوفا واكامها واحلّي ماء غدرانها واغذّي منابع عيونها واملي وديانها بمياه عذبة جارية وعندما يسكن الليل وترقد العصافير في اوكارها اطرق بأناملي اللطيفة زجاج النوافذ وانشد نغمات لطيفة تشعر بها النفوس الظمآنة والتواقة للحبّ.

المطر هبة السماء المجانية للارض والمطر ابتسامة في ثغر الحقول ونقطة حرف الباء في كلمة الحّب الموثوقة بين السماء والارض، اما الغيمة والحقل فهما عشيقان ورسول السلام بينهما هو المطر.

يقول المطر انا مصدر رزق لمن يطلبني، اعطي الخير للطيور والحيوانات وانا صلة الوصل بين سكان السماء وسكان الارض، انا اولّد الفرحة على ثغور الاطفال والبسمة على وجوه الشباب وادق الطبول في المزارع والحقول، انا ابن الربيع الذي رباه الشتاء، انا هدّية العاشقين وأكليل العرسان، عندما انهمر على السهول ازيّنها وتتفتح الازهار بقطرات الندى، ترقص الاشجار وتصّفق الاعشاب عندما انظر اليها من اعالي الجو، ليزهر وردها ويكتمل ثمرها وليصبح طعاما للناس، وهذه هي حكمة الخالق سبحانه وتعالى. وهطول الغيث فرحة وبهجة على كل لسان، فهو يفرح الفلاح في حقله والعامل في معمله والمعلم في مدرسته والموظف في دائرته والحيوانات في مأواها والطيور في اوكاها، يبقى المطر ابا رحوما للفلاحين والمزارعين والفقراء الذين تشرئب عيونهم نحو السماء وتفرح قلوبهم عندما تسقى حقولهم بماء المطر، وختاما المطر رحمة من الله لعباده.

ليلة العيد

مساء ليلة العيد تشعشعت الانوار في القصور والمنازل وخرج اولاد الاثرياء الى الشوارع بملابس العيد الجديدة وعلى وجوههم بشائر الفرح والاستكفاء تنبعث منهم رائحة القتار والمأكل والمشويات، اما الاحياء الفقيرة فيغمرها ظلام دامس، وأطفال الفقراء ثيابهم رثة وعيونهم تشرئب نحو قطعة حلوى او ثوب ملّون وافواههم مفتوحة تستجدي المارّة ما تجود اياديهم وما يتصّدق به اطفال الاغنياء، وبعد برهة وامام هذا المنظر المؤلم تركت داري لأسير منفردا مبتعدا عن الزحام والضجيج افكّر بصاحب العيد واين ولد ولأجل من ولد، ومن يكن هذا المولود الفقير الذي خلّص العالم بفقره، وبقيت افكّر بموضوعية وعمق عما فعلته ولادة الطفل الفقير المتجّرد والذي مات مصلوبا، وما ان بلغت احدى الحدائق العامة حتى دخلتها وجلست على مقعد وأخذت انظر تارة الى الشوارع المزدحمة والى الناس المحتفلين بالعيد واخرى الى الاشجار التي كانت الريح تلعب بأغصانها، وما هي الا هنيهة حتى وجدت نفسي امام رجل جالس بقربي وفي يده عصا يرسم خطوطاً متقاطعة على التراب، فتفرّست في محياه وكانت اثوابه قديمة وشعره مسترسل على كتفيه ولكنه ذو هيبة ووقار، وبانتباهة منه شعر بأنني انظر اليه فالتفت نحوي وقال مساء الخير، فأرجعت التحية اسعد الله مساءك، ثم عاد يرسم الخطوط بعكازه على الارض فخاطبته هل انت غريب في هذه المدينة؟ فأجاب: انا غريب في كل مكان، قلت: ان الغريب في مثل هذه الاعياد يتناسى غربته من الانس والحنان والعطف من الناس. فأجاب: انا غريب في هذه الايام اكثر مني في غيرها. فقلت له: ان القوم يعطف في عيد الميلاد. فأجاب: صحيح ولكن رحمة الغني بالفقير حبّ الذات وغطرسة والقوي يرحم الضعيف تعالٍ وافتخار، فقلت له: قد تكون مصيبا ولكني اراك محتاجا فهل قبلت مني بعض النقود؟ فأجاب مبتسما: انا بحاجة ولكن لست بحاجة الى المال. فقلت له ماذا تحتاج؟ قال: انا بحاجة الى مأوى. قلت له: خذ مني هذه الدراهم واذهب الى منزلٍ واستأجر غرفة. فأجاب ذهبت الى المدينة فلم أجد مأوى وطرقت كل باب فلم ارَ لي صديقا ودخلت كل مطعم فلم أُعطى خبزا. فقلت في نفسي، ان كلام الرجل بليغ وفلسفي وطلبت منه ثانية ان يرافقني الى المنزل لنقضي ليلة العيد، فأجابني: طرقت بابك الف مرّة ولم تفتح لي، فقلت: لم اراك تطرق بابي ومع ذلك ارجو ان تقضي عندي هذه الليلة. فأجاب لو عرفت من أنا لما دعوتني الى بيتك، فقلتُ له من تكون، قال وفي صوت يشبه هدير الماء: انا الثورة التي اقامت ما اقعدته الامم وانا الذي جاء ليلقي في الارض سيفا لا سلاما، ووقف منتصبا وتعالت قامته وبسط ذراعيه فظهر اثر المسامير في كفيه، فللحال ارتميت على الارض راكعا امامه وصرخت قائلا يا يسوع ارحمني، اذ ذاك سمعته يقول: العالم يّعيد لاسمي وللتقاليد، أما انا فغريب أطوف تائها في مشارق الارض ومغاربها وقليل من يعرفني على حقيقتي، واستطرد قائلا: للثعالب مخابي ولطيور السماء اوكار وليس لابن الانسان مكان يسند رأسه، وعندما رفعت رأسي لم ارَ امامي سوى شعلة من النار ترتفع الى السماء وسمعت صوت الليل اتيا من اعماق الابدية، فللحال قفلت راجعا من حيث اتيت وما ان وصلت داري حتى رأيت اطفالي نائمين فركعت امام ايقونة العذراء مريم مصّليا وطالبا منها ان تشمل بحنّوها جميع الفقراء والمعوّزين ليشاركوا في ابتسامة العيد فرحين ومسرورين.

لمن المجوهرات لحافظهما

ام لصاحب الحظ السعيد ؟

كان لاحد الاغنياء قصرا مشيّدا على شاطيء النهر يطّل بأروقته على المياه المنسابة في النهر والذي يجري في وسط المدينة، وكان القصر مغطّى بأنواع الاشجار المثمرة والوارفة التي تحجب نور الشمس عن القاعات والغرف التي لاتُعد ولاتُحصى والمصمّمة بأحدث التصاميم الهندسية في ذلك العهد، وكان الرجل ذا جاه وثراء غنّي النفس عفيف المعشر ذا سمعة مرموقة في الوسط الاجتماعي وكان قد خصّه الله بنعمة الرأفة والحنان على الفقراء وبأيادي بيضاء يغدق بها على المعوّزين بما انعم الله عليه من خيرات، وكان لديه في قصره غرفة خاصة ذات قبوة لا يعلم بها الا الذي صمّمها وشيّدها يحفظ فيها المجوهرات التي ورثها عن ابائه واجداده لا تقدر بثمن والاحجار من الدرر النادرة والياقوت والعقيق واللؤلؤ والمرجان والاحجار الكريمة ما يبهر العين، وكان يعرضها لضيوفه في مناسبات خاصة لمن يفكر هم بمنزلته وبمنصبه الاجتماعي. وذات يوم فوجىء بزيارة ابن امير البلاد الذي كان قد سمع بما يملكه هذا الرجل من مجوهرات نادرة آملا ان يحظى بأحداها كهدية لزيارته هذه، فما كان من الغني الا ان استقبله استقبالا حاراً منقطع النظير واخذت الحاشية والخدم يقومون بواجباتهم تجاه ضيفهم حيثُ مدّت الموائد ووضع عليها ما لذّ وطاب من انواع المأكولات والمشروبات والفواكه، ولكن ابى ان يقدّم لضيفه احدى المجوهرات هدية والتي كانت سبببا لزيارته هذه فقد عزّت عليه قائلا في سرّه انها مجوهرات ملكية تليق بالقياصرة والاباطرة ولايصّح اهراقها من اجل ابن الامير؛ لأنها ليست بمستواه، ومرّت اشهر وقام بزيارته حاكم احدى الولايات وفي روعه الغاية نفسها لمن سبقه علّه يحظى بأحدى المجوهرات، فاقيمت مراسيم الزيارة كالمعتاد وبحفاوة بالغة واستقبل استقبالا منقطع النظير ولكن ابى على الغني اعتزازه بما لديه من المجوهرات النادرة ان يهدي احداها لضيفه ظناً منه انه ليس بمستوى من تقدم له هذه المجوهرات التي كان قد ورثها عن ابائه واجداده منذ عشرات السنين، وكان رجال الدولة والمسؤولين يقومون بزيارات عديدة للغني املين الحصول على احدى هذه المجوهرات ولكن كانت زياراتهم تذهب ادراج الرياح حيث كانت في نظره اعزّ واغلى ما يملك في الدنيا وخاصة انه كان وحيداً وزوجته العاقر قد فارقت الحياة منذ سنين بعد ان بلغت من العمر عتيا. ومرّت الاعوام وتجاوز الغني الثمانين سنة من عمره واصيب بامراض الشيخوخة التي اقعدته عن العمل وعن الرواح والمجيء فالتزم الفراش وأخذ يعاني من شدة المرض وقسوته ما حبّب اليه الموت وابغض عليه الحياة، وما هي الا اشهر معدودة حتى فعل القدر فعلته المحتومة ومات الغني واقيمت المراسيم التي يستحقها ولم تمض سوى ايام قلائل على وفاته حتى جىء بتلك المجوهرات التي مضت عليها عشرات السنين ولم تكن قد رأت نور الشمس حيث كان الغني يسكن الدار لوحده عند وفاته ولا وريث له، وما كان من الخدم الا ان اخرجوا تلك المجوهرات وتقاسموها بينهم ولا احد منهم يعرف عمرها او قيمتها حيث كانت في نظر الذين حظوا بها كغيرها من المجوهرات الاعتيادية التي تباع باثمان بخسة في اسواق الذهب، فيا ترى لمن المجوهرات النادرة؟ لحافظها الذي اعتّز بها في قبوة خاصة في قصره ولم يهديها لأي من زواره ذوي المناصب العالية ام لصاحب الحظ السعيد؟ وهنا يحضرني قول للامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) اذ يقول في كتاب نهج البلاغة: دع الحرص عن الدنيا وفي العيش لا تطمع، ولا تجمع من المال فلا تدري لمن تجمع، فان الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع، فقير كل ذي حرص غني كل من يقنع.

ويحضرني ايضا قول في الكتاب المقدس يقول- اكنزوا لكم كنوزا في السماء والمقصود بها القيام بالاعمال الصالحة على هذه الارض من مساعدة الفقراء والمعوّزين واطعام الجياع واكساء العراة والابتعاد عن كل ماهو سيء، والسلوك في الطريق المستقيم والتصرف بالعدل والحكمة ومساعدة الناس جميعا بكل ماتتطلب حاجات الدنيا التي اصبحت قاسية على البشرية جمعاء، وليقنع المؤمن بما رزقه الله من نعم وخيرات ويذكر اسم الله بكل مناسبة، ويقوم بما يراد منه من اعمال صالحة ليرث جنة الخلد المُعدّة للمتقين.

ولادة طفلين

الاول ليكون اميرا
والثاني ليموت فقيرا

كان لأحد الامراء ابن وسيم المحيا معتدل القامة يتمتع بخصال حميدة تدّل على الجاه والرفعة، وذات يوم رغب والده الطاعن في السن ان يزوجه املا ان يولد لابنه طفلا يكون حفيداً له ولتستمر سلالة العائلة الحاكمة، فخطب له فتاة في ريعان الشباب تتألق حسنا وجمالا ومن اعرق العوائل في المدينة وذات حسب ونسب. فأقيمت الاعراس في جميع انحاء البلاد وزينت القاعات والمنتزهات والمحلات العامة والشوارع واخذت الفرق الموسيقية تعزف وخرج الناس يعبّرون عن فرحتهم بزواج ابن الامير وأخذت المواكب تسير في الشوارع معبّرة عن فرحتهم وبهجتها بهذه المناسبة السعيدة، وبعد اشهر معدودة انجبت زوجة الامير الشاب طفلا وما اشّد ما كانت الفرحة حيث وقف الامير على شرفة القصر ونادى الجموع المزدحمة التي ما ان سمعت الخبر حتى جاءت من كل حدب وصوب لتشارك بهذه الفرحة قائلاً: يا احبائي ابشركم وأهنيء البلاد فالاميرة وضعت اليوم غلاماً يحي شرف عائلتي ويكون لكم عزّا وفخرا ووارثا لما ورثته من اجدادي العظام افرحوا وتهلّلوا فمستقبلكم صار مناطا بسليل المعالي، فما كان من الجموع الا ان ملأت الفضاء بالزغاريد واهازيج الفرح والدبكات الشعبية ومن اجل ذلك بدأوا ينشدون الاناشيد ويحتسون كؤوس الفرح والسرور ومُدّت الموائد ووضعت عليها انواع المأكولات والمشروبات مما لذّ وطاب وأكل الجميع فرحين مسرورين.

وبينما هم على هذه الحال، كان في بيت مهجور امرأة في مقتبل العمر مطروحة على سرير المرض تضمّ الى صدرها الملتهب طفلا ملتفّا بأقمطة بالية كتبت لها الايام ان تكون فقيرة معدمة، والفقر بحد ذاته شقاء، وكانت قد فقدت زوجها بحادث مؤلم وهي حُبلى في شهرها الثامن، فما كان من الملائكة الا ان بعثوا لها هذا الطفل ليكبل يديها من العمل والارتزاق، وفي احدى الليالي ولمّا سكن الناس واسدل الليل ستاره المظلم على كوخها الصغير حملت المسكينة طفلها وحضنته وبكت بكاءً مرّاً كأنها تريد ان تعمده بدموعها وقالت بصوت تتصدع له الصخور: لماذا جئت يا فلذة كبدي أرحمةً بضعفي ام تريد ان تشاطرني الحياة المرّة، لماذا تركت الفضاء الواسع وجئت الى هذه الحياة الضّيقة المملوءة مذّلة وشقاء، ليس لديّ ما أطعمك سوى دموعي فهل نتغذى بها بدل الحليب؟ وهل تلبس ذراعي العاريتيتن بدل القماط؟ صغار الحيوانات ترعى الاعشاب في المراعي وتبيت هناك وصغار الطيور تلتقط البذور وتنام هادئة في اعشاشها بين الاغصان فرحة، وانت يا ولدي ليس لي ما استر به جسمك إلاّ تنهداتي. حينئذ ضمّت الطفل الى صدرها بشّدة كأنها تريد ان تجعل الجسدين جسدا واحدا ورفعت عينيها الى السماء وصرخت ارفق بنا يارب. ولما انقشعت الغيوم وبان القمر ودخلت اشعته اللطيفة الهادئة من نافذة ذلك الكوخ الصغير وأنارب بضوئها الخافت جسدين هامدين لاحراك فيهما، بعد ان ارتفعت روحيهما الطاهريتين الى السماء حيث الملائكة والقديسين يسّبحون الباري عزّ وجلّ.

وبعد سنين كبر ابن الامير واصبح في ريعان شبابه واخذ يزاول مهامه ويخالط ويجالس الشباب ويجمعهم في ندوات ويطّلع على مشاكلهم ويسمع منهم ما يجول بخاطرهم وما يحتاجونه للحياة العامة ودراسة سبل رفع مستوى الدراسة، واخذ يتعمق بأمور الرعيّة وادارتها بأمر من والده ليكون رجل المستقبل المتمرّس، وفي احدى الندوات طرحت على مسامعه قصة الطفل الذي ولدته امه معدما فقيرا لم تتمكن امه من اكساء عورته وحتى من ارضاعه الحليب من ثديها وكيف مات هو وامه في كوخه الصغير وان هذه الحادثة تزامنت مع ولادته التي حدثت في ابّهة وفرح وقرع الطبول وصوت الموسيقى الذي كان يصدح في جميع ارجاء البلاد. فحزن الامير الشاب لذلك حزنا شديدا وأخذ من تلك الحادثة درسا بليغا وشرع يتصل بزملائه واقرانه ويتدارس معهم حاجة الاطفال وامور الطلاب وقضايا الشباب ويتفقد العوائل المتعففة ويعمل لسد حاجاتها ويوّفر لها بحكم موقعه العمل الملائم لتوفير العيش الرغيد لابناء بلده ونال اعجاب الجميع واحبّه كل من عرفه وعندما تولّى الامارة بعد والده التفّ الشعب حوله وعملا يدا واحدة لرفع شأن البلاد واسعادها واخذت الجماهير تدعو له بدوام التوفيق والعزّة والسؤدد وطول العمر.

منيتان

منية غني
ومنية فقير
غني جمع المال ليعيش ابدا
وفقير يطلب الموت غـدا

ما اكثر المواضيع التي تباينت واختلفت، اما الموت فواحد حيث لا بد منه.

يولد الانسان في يوم موعود لا يؤخذ رأيه بهذه الولادة ثم يقضي زمنا معدودا قد يكون يوما او شهرا او سنة او عدة سنين الى ان يأتي اليوم المقرّر فيترك هذه الدنيا الى سماء الخلود وبدون ان يستشار فيما اذا كان بوّده الرحيل او ان يبقى مشواراً آخر، والمدّة التي يقضيها على هذه الارض منذ ولادته وحتى مماته تكون رسالة مليئة بالحوادث فتصادفه طرق سهلة معبّدة واخرى جبلية وعرة المسالك واخرى مزينة بالورود واخرى مليئة بالاشواك وهذه هي الحياة على هذه الارض. في هذا المقال سأوضح نوعين من المنّية: الاولى تتعلّق برجل ثري رفيع الجاه ذي باع طويل يملك من خيرات الدنيا ما لا يُعّد ولا يُحصى، وأخرى رجل فقير غني النفس ليس لديه ما يّسد به الرمق ولكنه مؤمن قانع بما وهبه الله، لم يأكل من فتات احد ولم يظلم احداً ولم يستّغل، صافي القلب، وهنا يجدر بنا ان نتذكر بان الموت حق والصالحين يطلبون مجيئه برحابة صدر، اما الاشرار فيتهربون من ذكر اسمه ويرتعدون من مجيئه. وفي احدى الليالي هبط ملاك الرب بأمر من الخالق عزّ وجلّ نحو احدى المدن واستّقر في اعلى عمارة وخرق بعينيه النيّرتين جدران المساكن ورأى الارواح المحمولة على اجنحة الاحلام والاحياء الهادئة الراقدة في ظلام دامس، ولما توارى القمر وراء الشفق وتوشحت المدينة بثوب الخيال، سار الملاك بهدوء بين المساكن حتى بلغ صرح احد الاغنياء الاثرياء فدخل بدون استئذان ولم تصّده الحواجز والابواب الموصدة، ووقف بجنب سريره ثم لمس جبينه فذعر من غفلته، ولما رأى نور الملاك وخيال الموت صرخ بصوت عال وقال: ابعد عني ايها الحلم المخيف ضناً منه انه يحلم، وكرّر ثانية: اذهب ايها الخيال، كيف دخلت ايها السارق؟ وماذا تريد ايها الخاطف؟ انا رب البيت اذهب وإلاّ ناديت العبيد والحراس فيمزقوك إربا إربا. حينئذ اقترب الملاك وبصوت يشبه صوت الرعد وقال له انا هو الموت انتبه واعتبر، فأجاب الغني ماذا تريد مني انا لم انهِ اعمالي، اذهب الى المرضى والى الشيوخ، اغرب عني فاظافرك جارحة وقد سئمت من النظر الى جناحيك، وهنا صمت هنيهة وبدأ الخوف يدّب بجسده وروحه وقال: لا لا ايها الموت الرؤوف لا تحفل بما قلته لك خذ مكيالا من نقودي واناء من ذهبي وقصرا من قصوري واتركني وشأني حيث لديّ حسابات كثيرة ومالاً لم استوفه ولي بين امواج البحر مواكب لم تصلني بعد واخرى في المرفأ لم تُفرّغ حمولتها وفي قلب الارض زرع لم احصده، خذ ما شئت واتركني نائما مع زوجاتي وبأمكانك ان تختار الاكثر جمالا لتأخذها ولكن اسمع يا موت لي وحيد احبّه كثيرا خذه واتركني خذ كل شيء واتركني. حينئذ وضع الموت يده على فمه وقبض روحه الى حيث لا يعلم مثواها الا الله. وخرج الملاك من عنده وسار بين الاحياء الفقيرة حتى بلغ بيتا متواضعا فدخله واقترب من سرير يرقد عليه فتى في مقتبل العمر وبعد ان تأمل وجهه الهادي لمس عينيه فاستيقظ ولما رأى الموت واقفا جثا على ركبتيه ورفع ذراعيه وقال بصوت اودعه كل ما في نفسه من محبّه وشوق، ها انذا ايها الموت اقبل نفسي ولا تتركني، كم طلبتك ولم اجدك كم ناديتك ولم تسمعني، ها قد سمعتني الان عانق نفسي يا حبيبي، اذ ذاك وضع الملاك انامله اللطيفة على شفتي الفتى ونفّذ ما أمر به وطار محلّقا في الجو ينظر نحو هذا العالم الفاني.

عفيفة تموت جوعا

هناك حوادث لا تُعّد ولا تُحصى عن الوفيات واغرب هذه الحوادث ما حدث لاحدى الفتيات الجميلات العفيفات التي تركت قريتها، حيث لم تجد من يأويها ولا من يعطيها رغيف خبز تسدّ رمقها وكانت في مقتبل العمر وفي ربيعها الرابع عشر وتتصف بجمال هاديء ولكن ابت نفسها ان ترضخ لسلطان الهوى وابى عليها شرفها ان تسقط في الهاوية وآثرت الموت جوعا، فما كان منها الا ان صعدت الى الجبل لتسطَّر ملحمة خالدة تكون درسا للاجيال القادمة، هذه المسكينة لم تمد يدها لتسرق رغيف خبز من جيرانها الذين كانت موائدهم عامرة بأنواع المأكولات ولم تسرق من الدكان الموجودة في الحارة ولم تعرض نفسها كما تفعل الفتيات الجائعات في شوارع المدن، ففضلت ان تموت بحسرتها على ان تعيش بعارها وان تموت بين كثبان الرمال وشعاف الجبال وكهوفها على ان تداس كرامتها بعد ان استشهد والدها في ساحات الشرف وبقيت هي وامها تئن تحت وطأة البؤس والفقر، ثم لم تمض سوى اشهر معدودة حتى ماتت امها من مرض ألمّ بها وبقيت المسكينة يتيمة لا معيل لها الا العزيز الجبار، ولابدّ ان نذكر انها طرقت ابوابا عديدة طلبا للعمل كخادمة في منازل الحارة ولكن سرعان ما كانت تترك العمل لالشيء الا لانها كانت تسمع من مراهقي الدور وعبارات الوّد والحنان والعطف ممزوجة بكلمات واشارات غرامية تنال من عفتها وبراءتها ومهما يكن من امر فالعتاب لكل من عرفها حيث لابّد انها مرّت بكثير من الناس تسألهم المعونة فلم تجد من يمد اليها يده بلقمة واحدة، فما اقسى قلب الانسان وما ابعد الرحمة من فؤاده وما اقدره على الوقوف موقف الثبات امام مشاهد البؤس والشقاء، والسؤال هنا لماذا اختارت هذه البائسة المسكينة ان تذهب الى الجبل في ساعاتها الاخيرة بعد ان أعياها الجوع والبرد القارص، اظّنها ظّنت انّ الصخر ألين قلبا من الانسان فذهبت تشكو اليه جوعها او ان الوحوش المفترسة في الغابة اكثر رحمة فجاءتهم تستجديهم عن العظام التي تفضل من طعامهم، ولو انّ الصخر فهم شكواها لقطّر من صُلبه ماءً وعصيرا وأسقاها ولو انّ الوحوش المّوا بجوعها لرثوا لها وتركوا بعضا من طعامهم لتأكله.

ياحسرتي، اني لا اعرف مخلوقا على وجه الارض يستطيع ان يملك دموعه امام هذا المشهد وامام هذا العذاب! آلم يصادفها احد وهي تصعد الجبل مصفّرة الوجه ذابلة الجسم والدمع يترقرق من مقلتيها فيعلم بأنها جائعة فيرحمها، الم يكن لها جار يسمع انينها في جوف الليل ويرى غّدوها ورواحها وهي حائرة ومتعبة تطلب القوت، هل أقفرت البلاد من الخبز فلا يوجد بين افراد الامة من اصحاب العمارات والقصور وصولا الى سكان القرى والارياف رجل واحد يملك رغيفا من الخبز زائدا عن حاجته فيتصدق به عليها وينقذها من الهلاك.

يا للاسف يوجد كثيرون ولكن الاغنياء يمدّون موائدهم فـي مواقـف المفاخرة فقط ولا يعنيهم امر الفقراء ماتوا ام لم يموتوا، ان الاحسان كان كثيرا في العهود التي كانت تسّجل لهم مآثر ومواقف في الصحف وكانوا يتنافسون ويتبارون لتدرج اسماؤهم في لوحات الشرف. ها هم الفقراء يموتون جوعا في كثير من بلدان العالم فهل نجد من يّمد اليهم يد المساعدة وهل هناك من يّسد حاجاتهم ويطعمهم رغيف خبز ويكسو عورتهم فهم يموتون بين كثبان الرمال المحرقة فوق قمم الجبال المكسّوة بالثلوج وفي الكهوف والوديان حيث لا مستغيث ولا معين.

اذا جمع الحب اثنين فمن يفرقهما

واذا اخذهما الموت فمن يرجعهما؟

فتى في مقتبل العمر يتمتع بجمال جذّاب وحيوية ونشاط خرج ذات يوم تخطى على ضفة نهر بجانب القرية وبعد أن أعياه التعب جلس تحت ظلّ شجرة الجوز وأخذ يلقي بنظره على سنابل القمح التي تتمايل مع هبوب الريح والى الازهار المنتشرة هنا وهناك والى الطيور التي تغرّد فوق الاشجار والى الطبيعة الخلاّبة والى المياه الجارية المنسابة بين المروج، واذا بغزالة تخرج من وكرها وتنتصب امامه كأنها عود الخيزران بقامتها طاعنة اياه برماح عيونها فأسرت قلبه واستولت على عقله فقابلها بعينه الحادة وبسهم طعن قلبها ولكن ما لبثت او اوقعته بشرك صبية جالسة مع رفيقاتها على ينبوع ماء يتدفع عن قرب فأحبها وبعد ان سأل عنها تبينت انها ابنة امير البلاد فامتلأ قلبه حزنا للفارق الطبقي والاجتماعي بينه وبين الامير، وظّل على هذه الحال يتأمل زهرة الاقحوان التي امامه واذا به يسمع صوت الشحرور يناجي رفيقته بصوت عذب وشجي فبكى لوحدته وترقرق الدمع في عينيه، ثم مرت ساعات الغرام امامه مرور الاشباح فقال في نفسه ودموعه تسيل من مقلتيه، هو ذا الحب يستهزئ بكل شاب عاشق، الى ان رفع قلبي الى قصر الامير وانا ابن فلاح بسيط واوصلني الى حورية يحيط بها الخدم والحشم ويحميها رجال اشداء، وأخذ يناجي الحّب قائلا، انا ضعيف ايها الحبّ فلم تخاصمني وانت القوي لماذا تظلمني، وانت العادل لماذا تذلني وليس لي غيرك ناصري فلماذا تتخلى عني وعليك ان تفعل ما شئت بهذا الجسد ولكن دع الروح تفرح بهذه الحقول العائشة بظل جناحيك واتركها تبتسم لعشيقها ودع الجداول والانهار تسير الى البحر ولا تعكر مياهها ودع الغيوم تهطل غيثا لتسقي الحقول اليابسة، اتركني انا في محنتي منفردا بغرامي بعيدا عن التي لا ترضاني خادما في قصرها، ثم التفت نحو الصبية قائلا: انت يا حبيبتي يا من اخاف من ذكر اسمها، ايتها المحجوبة عني بستائر العظمة والجاه، ايتها الحورية التي لا اطمع بلقائها الا في الابدية حيث هناك المساواة فقط، يا من ملكت قلبي الذي قدّسه الحبّ واستعبدت نفسي العفيفة وخلبت عقلي الذي كان حراًَ طليقا حتى اصبحت الان اسير الغرام، وقد ايقنت لما نظرت الى عينيك ورأيت فيها الفردوس الارضي وجاهك الذي قارنته بفقري وبتواضعي علمت ان هذه الارض لم تعد وطنا لي وظننت لما وجدتك جالسة بين رفيقاتك كالوردة بين الرياحين ايقنت ان عروستي قد ابتعدت عني، وهنا اخذه الصمت ساعة ولما يئس اخذ يمشي نحو الينبوع منخفض الجناح كسير القلب مجسما الاسى والقنوط الذي حلّ به بهذه الكلمات: تعال يا موت وانقذني فالارض التي تخنق اشواكها ازهارها لا تصلح للسكن، وفي المساء عندما اخذت الشمس تجمع وشاحها الذهبي جلس يذرف الدموع ويندب حظه فتارة ينظر الى النجوم المتلالئة في كبد السماء واخرى ينظر الى القمر الذي اطل بهلاله من فوق الجبل وما هي إلاّ هنيهة حتى ظهرت من وراء الاشجار فتاة في مقتبل العمر اضاءت المكان بشعاع ثغرها البسام وبشعرها المسترسل على كتفيها وبخصر يتمايل كشجر السنديان تجر اذيالها بين الاعشاب ووقفت بجانبه ووضعت يدها الحريرية على ظهره، فنظر نظرة حالم ايقظه شعاع الشمس بشعاعه وحرارته الدافئة فرأى ابنة الامير واقفة أمامه وابتسامة حالمة على ثغرها، فجثا على ركبتيه ولما اراد الكلام ارتجف لسانه وطفحت عيونه بالدمع وما كاد يصدق ما يرى، فما كان الصبية الا ان اقتربت منه وحضنته وقبلت شفتيه وقالت بصوت ألطف من نغمة الناي، قد رأيتك يا حبيبي فلي احلامي ونظرت وجهك في وحدتي فانت رفيق نفسي الذي فقدته، فقد جئت سرا يا حبيبي لالتقيك، وها انت الان بين ذراعي ، فلاتخف فقد تركت ثراء ابي وجاهه لالتقيك ولاتبعك الى اقاصي الارض واشرب معك كأس الحياة واكسير الموت، قم يا حبيبي نرحل الى البرية البعيدة عن عيون الناس، فما كان منه الا ان ضمها الى صدره وتعانقا بحرارة ومشى الحبيبان بين الاشجار تحت جنح الظلام لا يخفيهما شيء الا بطش الامير الذي امر جنده بملاحقتهما، وهناك في بقعة موحشة في الصحراء عثر جند الامير على جثتين في عنق الصبية قلادة ذهب و في اصبع الشاب خاتم وبقربهما حجر كتبت عليه هذه الكلمات.

قد جمعنا الحب فمن يفرقنا
واخذنا الموت فمن يرجعنا

سارق الشرف وسارقة المال

في احدى المدن القريبة من ساحل البحر كانت احدى العوائل تسكن قصرا فخما وقد اغدق الباري عز وجل عليها نعمة الغنى والجاه، وللعائلة ولد وسيم المحيا ذو قامة رشيقة ووجه وضاء وشعر ذهبي وعيون زرقاء، مرموق الجاه في منطقته ذو منصب رفيع في القضاء، وبجانب القصر دار تعيش فيه فتاة مع والديها المسكينين، حيث يعمل والدها موظف بسيط يتقاضى مرتبا يسد به الرمق، ولكنه شخص رزين وقور ذو سمعة طيبة، اما الفتاة فهي في مقتبل العمر تملك من الحسن والجمال ما يغري العين ويأخذ الابصار، عيون شبيهة بعيون المها والحور زادها حسنا وجمالا والشعر مسترسل على الاكتاف والقد رشيق كعود الخيزران و الخد وردي يشبه ورد الرمان، فما كان من الشاب الا ان رصد حركاتها من كوة تطل على الدار واخذ يراقب رواحها ومجيئها حتى بلغ منها فتراسلا ثم تزاورا فتعانقا ثم افترقا وقد ختمت روايتهما باتصال روحي وجسدي حملها جنينا في احشائها واثقلها هما يضطرم في فؤادها ووعدا من العشيق بالزواج بعد ايام، ولكن ما اكثر الذي يحنثون بوعدهم ويخالفون ما تمليه ضمائرهم وعقولهم. فقد سرق الشاب منها شرفها وتركها حائرة في امرها نادمة على ما فعلت ولكن لات ساعة مندم، وسهرت ليلتها حتى مطلع الفجر ولم يغمض لها جفن ولم يهدأ لها بال، وفي اليوم الثاني التقت بعشيقها الذي منحته اغلى ما عندها واخبرته بما ألمَّ بها فوعدها وعد القانطين وطمأنها ولكن بدون جدوى، وبعد ان فكرت ملياً بأمرها وخوفا من والدها عمدت وفي ليلة ليلاء حالكة السواد الى مغادرة بيت ابيها فتركت الدار متوشحة رداءً اسود وتوجهت الى طريق القفر علها تجد من يرعى غربتها، وقادها القدر الى طريق آمن حيث وجدها نفر من بائعي الخضار فرثوا لحالها بعد ان ألمّوا بقصتها و اوصلوها الى مدينة قريبة وتركوها تتجول في شوارعها. و للقدر في الملمات شؤون، فقادها حظها الى احدى الدور فطرقت الباب واذا امرأة جميلة المنظر وقور ملتحفة بازار مزركش تقول لها ماذا تبغين ايتها الحنونة ولماذا يترقرق الدمع بعينيك، فأجابت لقد خانني الدهر والتجأت الى داركم علني اجد العطف والرحمة والحنان فأشارت اليها بالدخول قائلة هذا بيتنا تجدين فيه كل لطف وامان، تفضلي ان طاب لك المكان على الرحب والسعة، فما كان منها الا ان دخلت الدار والقت بنفسها في زاوية من زوايا المدخل المؤدي الى المطبخ وكان جسمها يرتجف ويديها باردتين من شدّة التعب والجوع، فما كان من سيدتها الا ان احضرت لها الطعام، فأكلت حتى شبعت وشربت حتى ارتوت، وبعد ساعات تعرفت على اهل الدار الذين رحبوا بها وعرفوا قصتها وبقيت عندهم تخدمهم خدمة صادقة في كل ما يراد منها من خدمة، ومضت الايام واخذ الجنين ينمو في بطنها الى ان دقت الساعة الموعودة فوضعت طفلة اسمتها (براء) ونشأت الطفلة وترعرعت في احضان امها حتى بلغة السابعة من عمرها ولم يحدث في البيت ما يكدر صفوا

اهله والخادمة المسكينة وابنتها البريئة براء.

وذات يوم خرجت العائلة في سفرة الى احدى الروابي على سفح جبل لتشاطر الطبيعة عنفوانها وجمالها ولتنال قسطا من الراحة بعد عمل متواصل وكان الاب يدير معمله الذي يعتبر مصدر رزق العائلة، وعند الغروب قفل راجعا الى بيته وعندما سأل عن العائلة اجابت الخادمة انهم في سفرة على رابية مطلة على سفح جبل يستنشقون الهواء ويتمتعون بالمناظر الخلابة والمياة الجارية في الوديان والانهار ويتنسمون عبق الورود المنتشرة هناك وهناك. وكان الشيطان بالمرصاد ففعل فعله وطلب الرجل من الجارية ان تراوده عن نفسها فأبت وحاول اغراءها فابت ان ترضخ لسلطان الهوى وان تخفض جناح الذل وعزّ عليها شرفها وغادرت المنزل بعد ان اقتادت طفلتها واخذت تجوب الشوارع وظلت البائسة المسكينة تحدث نفسها تارة وطفلتها اخرى بحديث مؤلم ومحزن متى غلبها صبرها على امرها فأرسلت من جفنيها قطرات حارة من الدموع هي كل ما يملك الضعفاء والعاجزون البائسون، ولكن الدهر لم يقف معها عند هذا الحد واراد ان يسقيها كأسا امر من السابق فأرسل لها ذئبا كاسرا من ذئاب الرجال ممن باعوا ضمائرهم حيث اخذ سيدها يفتش عنها وعندما رآها زعم انها سرقت كيسه في احدى الليالي وتركت البيت ورفع امرها الى القضاء واستعان عليها ببعض من ذوي النفوس الضعيفة، وجاء يوم الفصل وسيقت الى المحكمة وطفلتها الصغيرة في يدها، فأخذ القاضي ينظر في القضايا المطروحة امامه واحدة تلو الاخرى حتى اتى دور الفتاة فما ان وقفت بين يديه ووقع بصرها عليه حتى اخذتها الحيرة والدهشة وكادت تفقد صوابها فقد عرفته ان ذلك الفتى الذي كان سبب شقائها وعلة بلائها فنظرت اليه نظرة شزراء وصرخت في وجهه صرخة دوى لها المكان وقالت رويدك يا مولاي القاضي ليس لك ان تكون قاضيا في قضيتي فكلانا سارق وكلانا خائن، والخائن لا يقضي على الخائن واللص لا يصلح ان يكون قاضيا بين اللصوص، فتعجب القاضي والحاضرون لهذا المنظر الغريب ولهذه الجرأة العجيبة واوعز الى الشرطي لاخراجها ولكنها حسرت قناعها عن وجهها فنظر اليها نظرة الم وشعر بالرعدة تتمشى في اعضائه وسكن في موقعه سكون المحتضر في سرير الموت، وعادت الفتاة الى اتمام حديثها فقالت: انا سارقة المال وانت سارق الشرف والعرض والشرف اثمن من المال فانت اكبر مني جناية واعظم جرما، ان الرجل الذي يدعي انني سرقت ماله ظلما وبهتانا يستطيع ان يعزي نفسه باسترجاع المال اما الفتاة التي سرق عرضها وشرفها فلا عزاء لها لأنّ العرض الذاهب لن يعود، ولولاك لما اتهمت بالسرقة وما وصلت الى ما انا عليه، فاترك كرسيك لغيرك وقف بجانبي ليحاكمنا القضاء العادل على جريمة واحدة انت مدبرها وانا القتيلة والضحية فيها، وان لم تكن عندي وسيلة امت بها اليك فوسيلتي عند ابنتك هذه فهي الصلة الباقية بيني وبينك فرفع القاضي رأسه ونظر الى الصغيرة نظرة رحمة واشفاق واختلجت في صدره صورتها التي تشبهه وعيونها الحالمة الشبيهة بعيون امه، حينئذ قرر في نفسه ان ينصف تلك البائسة من نفسه غير انه اراد ان يتخلص من هذا الموقف المحرج فأعلن ان المرأة قد اصيبت في عقلها وطلب احالتها على الطبيب فصدق الناس الحاضرون قوله, ثم قام من مجلسه بنفس غير نفسه وقلب غير قلبه وما هي الا ايام قلائل حتى استقال من منصبه بحجة المرض واخذ يفتش عن المرأة والطفلة حتى ضم اليه ابنته وامها وبعد ان استخلصهامن جورها هاجر بها الى بلد بعيد لا يعرفهما فيه احد فتزوجها وانس بعشرتها واخذ يكفر عن سيئاته ويحسن الى زوجته بكل ما يستطيع فعله وشملها برعاية خاصة واكرمها على نبلها وصبرها وشرفها وعفتها ونسيا ما فاتهما من ملذات العيش ورضيا بما انعم الله عليهما، وتمتعت العائلة بحياة هانئة كريمة وببركة من عند الله سبحانه وتعالى.

الغادرة

حب ملك القلب وغدر وخيانة الوعد

يحكى ان حكيما كان يحب زوجته حبا ملك عليه قلبه وعقله ولكن كان يمازج هناءه هذا خوف من ان يفلت قلب زوجته الى يد صائد اخر بعد مماته وكانت الزوجة من الحسن والجمال ما يأخذ الألباب، فالقد رشيق والخصر نحيل والوجه وضاء يشبه هالة القمر والخدود خمرية وخال في الوجنة وعيون سوداء كعيون المها والحور يزيدها حسنا وجمالا والرقبة كانها قطعة من المرمر والشعر مسترسل على الاكتاف وجيدها مليء بالحلي والياقوت والدرر اما الزنود فقد تحملت ما فيه الكفاية من اساور الذهب، وقد توشحت ازارا لفت به الرقبة والرأس من نسيج الكشمير وكانت قد اسرت قلب زوجها واخذت عقله وطغت على جوانحه، وكان يلبي جميع رغباتها بلا تردد، وإزاء هذا الموقف لم يكن من الزوج الا ان يطلع زوجته على امر يختلج في ذهنه وهو خوفه من ان تتزوج بعد مماته، فما كان منها الا ان اطمأنته ان لا احد يسترد حب قلبها منه حيا كان ام ميتا، فكان يطمئن لهذا الوعد، وفي احدى الليالي المقمرة مر الرجل بمقبر المدينة فرأى امرأة جالسة اما قبر جديد لم يجف ترابه وبيدها مروحة تحركها يمينا وشمالا لتجفف بها بلل ذلك التراب، فسألها ما شأنها ومن يكون هذا الدفين فلم تجبه حتى اخذ المروحة من يدها واخذ يساعدها في عملها، وبعد ان جف التراب قالت: الدفين زوجي لقد مات منذ ثلاثة ايام وها انا امام قبره لأجفف التراب وفاءً بيمين كنت قد اقسمت له بأن لا اتزوج من غيره حتى يجف تراب القبر، وان هذه الليلة هي ليلة زفافي من زوجي الثاني، فهل لك يا سيدي ان تقبل هذه المروحة هدية مني اليك بعد ان انتهت مهمتي منها وجف تراب القبر، فتقبلها شاكرا وعاد الى منزله ورأى زوجته ماثلة امامه فقال لها ان امرأة خائنة غادرة اهدت لي هذه المروحة فقبلتها منها اليك لانها اداة غدر وخيانة واخبرها بقصة المرأة فغضبت وانتزعت المروحة من يده ومزقتها اربا اربا وقالت له لايزال هذا الوسواس عالقا بصدرك وهل تحسب ان امرأة ترضى لنفسها بما رضيت به لنفسها تلك المرأة الغادرة، فقال لها انك اقسمت الا تتزوجي من بعدي فهل انت عند وعدك. قالت: نعم

ومرت ايام واشهر وتخمرت في ذهن الزوج فكرة اراد بها اختبار زوجته ووعدها الذي قطعته على نفسها بعد الزواج من غيره بعد موته فاتفق سرا مع خدم القصر واخبرهم بانه سيتظاهر بفقدان الوعي وعليهم رفع جثمانه الى غرفة خاصة يسجي بها على سرير ليرى ماذا ستفعل زوجته. كان للزوج طالب علم يسترشده بين حين واخر وكان شابا وسيما فاخبره بالامر واتفق معه على موعد للحضور الى داره، وفي اليوم الموعد لم يكن من الزوج الا ان نفذ خطته المرسومة ملقيا نفسه على الارض متظاهرا بالغيبوبة، وللحال حضر الخدم ورفعت الجثة الى الغرفة الخاصة وسجيت على السرير، ثم خلت المرأة بنفسها في غربتها تبكيه وتندبه، وهي لكذلك اذ دخلت عليها الخادمة واخبرتها بأن فتى من تلاميذ زوجها حضر لزيارتها وما كان من الفتى الا ان نفذ ما لقنه سيده فرمى نفسه على الارض واستلقى عند باب المنزل فأتت الخادمة الى سيدتها واخبرتها بالامر قائلة يا سيدتي ان ضيفنا في غيبوبة وقمت بتدليكه فاسترد الانفاس وهو الان يعاني من شدة الألم وقد حرت في امره فامرتها ان تذهب به الى غرفة الضيوف وتتولى شأنه، وبعد ساعة دخلت الخادمة مرة اخرى وقالت لها يا سيدتي ان ضيفنا يعاني من الالم ما لا يطاق، حينئد تحاملت الزوجة على نفسها ووصلت الى غرفة الضيوف فرأته مستلقيا على السرير والمصباح عند راسه فاقتربت منه ونظرت الى وجهه النير وسمعت انينه المنبعث من صدره كنغمة موسيقية فحزنت على المريض الضيف اكثر من حزنها على زوجها واخذت تعالجه بشتى الوسائل حتى استفاق ونظر الى طبيبته الراكعة بجانب سريره نظرة شكر وثناء، ثم اخذ يقص عليها تاريخ حياته فعرفت من امره كل ما كان يهمها ان تعرفه وعرفت مسقط راسه وحياته كلها وصلته بزوجها وانه غير متزوج، وهنا اطرقت برأسها ساعة عالجت فيها هواجس نفسها ونوازعها ثم رفعت رأسها وامسكت بيده وقالت له انك قد ثكلت استاذك وانا ثكلت زوجي فاصبح همنا واحدا فهل لك ان تكون عونا لي واكون انا عونا لك على هذا الدهر ومصائبه والذي لم يترك لنا مساعدا ولا معينا فالم الفتى بما يجول بخاطرها فابتسم ابتسامة الحزن والمضض وقال لها: يسعدني يا سيدتي ان اظفر بهذه الامنية العظيمة ولكن اصارحك بان طبيبي قد اخبرني بان لا شفاء لي ألاّ بدواء واحد، قالت: وما هو سآتي به وان كان عبر البحور والمحيطات قال الفتى شفائي في أكل دماغ ميت ليومه، فارتعدت وشحب لونها ثم رفعت راسها وقالت كن مطمئنا وخرجت من الغرفة متسللة حتى وصلت الى غرفة تحوي أدوات كان يستعملها زوجها لقطع اغصان الاشجار عند التقليم فاخذت منها فأسا قاطعة ومشت اختلاسا الى غرفة الميت وفتحت الباب بهدوء وتقربت من السرير المسجى عليه زوجها ورفعت الفأس لتضرب به راس زوجها الذي كانت قد عاهدته الا تتزوج غيره حيا ام ميتا، ولم تكد تهوي بها حتى رأت الميت ينهض فاتحا عينيه ينظر اليها، فسقطت الفاس من يدها وسمعت حركة وراءها فالتفتت فرأت الضيف والخدم واقفين يتضاحكون ففهمت كل شيء، وهنا تقدم الزوج نحوها وقال لها:

أليست المروحة في يد تلك المرأة اجمل من هذه الفاس في يدك؟ أو ليست التي تجفف تراب قبر زوجها بعد دفنه افضل من التي ترفع الفاس لتكسر دماغ زوجها قبل نعيه، فأخذت تنظر اليه نظرا غريبا ولم تتمالك نفسها من خجلها حتى القت بنفسها على شارع قريب مكتظ بالمارة والسيارات لا تلوي على نفسها من شدة الصدمة التي اصابتها وما هي الا ومضة عين حتى وجدت مجندلة على الحضيض تحت اطار احدى السيارات وقد فارقت الحياة، فما كان من الزوج الا ان اخذ جثمانها وذهب به الى الغرفة التي كان قد سجى فيها وهكذا ختمت قصة المرأة التي غدرت بزوجها ونقضت وعدها.

المحتويات

عاصمة الرشيد الجميلة...........................................9
شجرة العائلة.....................................................10
مناجاة –ملكة الحب-.............................................11
طلب النجدة.......................................................12
هويتي بغداد......................................................13
قبلة الفراق.......................................................14
روعة الجمال.....................................................16
لؤلؤة البحر.......................................................17
الضحية...........................................................18
وفد الى القمر.....................................................19
رهان الحب.......................................................20
ينبوع الخير......................................................21
شوق الفوارس...................................................23
عروستي كوني شفيعتي...........................................24
شوق.............................................................25
سهام القلب.......................................................26
من اجل الحبيبة...................................................28
القدس مدينة الصلاة والسلام.....................................30
بيتنا..............................................................32
مناجاة............................................................33
خطوة في طريق الكمال...........................................34
حنان الام وعدالة القاضي.........................................36
احلام الغرام.......................................................37
مبايعة اميرة الحب ................................................38
موقع المراة في الجتمع وصلتها بالرجل...........................40
سهرة في قصور النبلاء..........................................43
نشوة عابرة......................................................46
الدخول الى الحضارة..............................................49
صلاة من اجل المساكين..........................................51
السعادة...........................................................53
عالمنا القديم......................................................55
لا استطيع ضمان المستقبل........................................56
عتاب.............................................................57
المحبة البريئة....................................................58
المسكرات واثرها على صحة الانسان .............................60
التدخين...........................................................63
القمار واثاره الصحية والاقتصادية................................66
الضمير.. ضميرك الحي اساس حياتك.............................70
حب بريء من اعماق البحار......................................73
وقفة امام الجمال.................................................77
باقة ازهار........................................................80
القبلة.............................................................85
صلاة يتيم وامه في ليلة الشتاء...................................87
نعمة المطر واغنيته السمفونية...................................89
ليلة العيد .........................................................91
لمن المجوهرات لحافظهما ام لصاحب الحظ السعيد ؟..............94
ولادة طفلين......................................................97
منيتان............................................................100
عفيفة تموت جوعا...............................................103
اذا جمع الحب اثنين فمن يفرقهما واذا اخذهما الموت فمن يرجعهما..106
سارق الشرف وسارقة المال......................................109
الغادرة............................................................114

Compiled and presented by

Randy Riadth Augustin Al-Benoka

A Beno Collection — Randy Riadth Augustin Al-Benoka